من ذاكرة التاريخ الاستعماري.. وثيقة كامبل

من ذاكرة التاريخ الاستعماري.. وثيقة كامبل

تاريخ سريّ

تعد وثيقة كامبل من أخطر وأشهر الوثائق في التاريخ الحديث، والتي تعد مخططاً من المخططات الرامية إلى تفتيت الدول الخاضعة للاستعمار أو التي لها القابلية على الاستعمار، وتمكين اليهود من فلسطين فكان لا بد من تتبعها، والتعرف على فحواها، واقتفاء أثرها.

لو عدنا بالتاريخ للوراء لعرفنا أن أول من أشار إلى تلك الوثيقة باحث هندي كان يقوم بالبحث في أرشيف وزارة الخارجية البريطانية في عام 1937، ويبدو أنه توصل إليها عندما كان في لندن في إحدى الجامعات البريطانية. ومن خلال الاطلاع على العديد من الدراسات والأبحاث والإصدارات في الكثير من المواقع الإلكترونية، نجد أن الإجماع قد أُقر على وجود هذه الوثيقة .

نقطة البدء كانت منذ انعقاد مؤتمر “كامبل بنرمان”، الذي عقد في لندن عام 1905م واستمرت جلساته حتى عام 1907، بدعوة سرية من حزب المحافظين البريطانيين، يهدف إلى إيجاد آلية تحافظ على تفوق ومكاسب الدول الاستعمارية إلى أطول أمد ممكن. وقدمت فكرة المشروع لحزب الأحرار البريطاني الحاكم في ذلك الوقت. وضم الدول الاستعمارية آنذاك وهي: بريطانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، إسبانيا، إيطاليا. واستمرت جلسات هذا المؤتمر ومناقشاته حتى عام 1907، شارك فيه فلاسفة ومشاهير المؤرخين وعلماء الاستشراق والاجتماع والجغرافيا والاقتصاد، إضافة إلى خبراء في شؤون النفط والزراعة والاستعمار. وفي نهاية المؤتمر خرجوا بوثيقة سرية أسموها “وثيقة كامبل”، نسبة إلى رئيس الوزراء البريطاني آنذاك هنري كامبل بانرمان.

أكد “كامبل بنرمان” من خلالٍ كلمةٍ له في المؤتمر على أنه لا بد من إيجاد أسباب ووسائل يمكن أن تحول دون سقوط الاستعمار الأوربي وانهياره أو تأخر مصيره. مبيناً أن القارة الأوربية قد استنفدت مواردها وشاخت مصالحها. وأن العالم الآخر الذي لا يزال في صرح شبابه يتطلع إلى المزيد من العلم والتنظيم والرفاهية، مشدداً على أن الاستيلاء على هذه الموارد هو هدفهم ومهمتهم، وعلى نجاحها يتوقف رخاؤهم وسيطرتهم.

 

 

فحوى الوثيقة

بعد مناقشات ومُدارسات عميقة ومطولة خرج المؤتمر بعدة توصيات:

  • إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متناحرة، من خلال حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية، وعدم دعمها في هذا المجال، ومحاربة أي اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.
  • محاربة أي توجه وحدوي فيها. ولتحقيق ذلك دعا المؤتمر إلى إقامة دولة في فلسطين تكون بمثابة حاجز بشري قوي وغريب ومُعادٍ، يفصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن الجزء الآسيوي، ويحول دون تحقيق وحدة هذه الشعوب. بعبارة أخرى تأسيس دولة (إسرائيل).

وتم اعتماد النص النهائي من لجنة الاستعمار وجاء فيه: “على الدول ذات المصلحة أن تعمل على استمرار تأخر المنطقة، وتجزئتها وإبقاء شعوبها مضللة جاهلة متناحرة، وعلينا محاربة اتحاد هذه الشعوب وارتباطها بأي نوع من أنواع الارتباط الفكري أو الروحي أو التاريخي، وإيجاد الوسائل العملية القوية لفصلها عن بعضها البعض. وكوسيلة أساسية مستعجلة ولدرء الخطر، توصي اللجنة بضرورة العمل على فصل الجزء الإفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، وتقترح لذلك إقامة حاجز بشري قوي وغريب “دولة إسرائيل” بحيث يشكل في هذه المنطقة، وعلى مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار عدوة لسكان المنطقة”.

 

السلطان عبد الحميد الثاني

من هذا نستنتجُ أنّ هذه الوثيقة سمحت بزرع إسرائيل في المنطقة، وهو ما كانت تسعى له الأخيرة من قبل، وفشلت فيه بفضل الدفاع المستميت للسلطان عبد الحميد آخر سلاطين الدولة العثمانية الفعليين، الذي تولى الحكم لمدة 33 عاماً من 1876 حتى 1909م.

المطلع على التاريخ يرى أن اليهود حرصوا من بداية الأمر على امتلاك أرضٍ في فلسطين. فقد أرسل “ثيودور هرتزل”  رسالةً إلى السلطان عبد الحميد الثاني يعرض عليه فيها قرضاً بمبلغِ عشرين مليون جنيه إسترليني، مقابل السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين، ومنحهم قطعة أرض يقيمون عليها حكماً ذاتياً .

كانت الرسالة تنصُ على: “رغبت جماعتنا في عرض قرض متدرج من عشرين مليون جنيه إسترليني يقومُ على الضريبةِ التي يدفعها اليهود المستعمرون في فلسطين إلى جلالته، تبلغ هذه الضريبة التي تضمنها جماعتنا مئة ألف جنيه إسترليني في السنة الأولى، وتزداد إلى مليون جنيه إسترليني سنوياً. ويتعلقُ هذا النمو التدريجي في الضريبة بهجرة اليهود التدريجية إلى فلسطين، أما سيرُ العمل فيتمُ وضعه في اجتماعاتٍ شخصية تعقد في القسطنطينية.

مقابل ذلك يَهَبُ جلالته الامتيازات الآتية: الهجرة اليهودية إلى فلسطين، التي لا نريدها غير محدودة فقط ، بل تشجعها الحكومة السلطانية بكلِ وسيلةٍ ممكنة، وتعطي المهاجرين اليهود الاستقلال الذاتي المضمون في القانون الدولي وفي الدستور والحكومة وإدارة العدل في الأرض التي تقرر لهم (دولة شبه مستقلة في فلسطين). ويجبُ أن يقررَ في مفاوضاتِ  القسطنطينية، الشكل المفصل الذي ستمارس به حماية السلطات في فلسطين اليهودية، وكيف سيحفظُ اليهود أنفسهم النظام والقانون بواسطةِ قواتِ الأمن الخاصة بهم”.

فماذا كان رد السلطان الحميد؟

يتبع…

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com