د. نزار الحرباوي
حتى لا تحلق تركيا في سماء التحولات وحيدة
أنشر
انسخ الرابط
5000 مشاهدة
استمع إلى المقال
تصغير الخط تكبير الخط
د. نزار الحرباوي

 

اتخذت تركيا قرارها الواضح ببناء مجموعة من التحالفات الجديدة على مستوى خريطة العالم بعد محاولة الانقلاب الدولية الفاشلة ضدها ، تحالفات قد تؤذن بتحولات حقيقية وكبيرة في عدد من ملفات الشرق الأوسط ، فيما يتصل بسوريا والعراق وتوجهات أمريكا نحو آسيا ، وطموحات إيران التوسعية ، وشبكة العلاقات الإسرائيلية الضاغطة وغيرها .

التوجهات التركية الدولية ليست سهلة بالمطلق ، فهي تحتاج لجهد سياسي وتخطيط دقيق وواسع ويأخذ بعين الاعتبار الآثار والتداعيات المحتملة لكل خطوة ، وهي ليست سهلة لأنها ستصطدم بالمخططات الغربية والإقليمية التي لا ولن تقبل بتركيا قوية قادرة على فرض رأيها في المنطقة،  وليست سهلة أيضا لأنها تحتاج لاقتصاد وقرار سياسي داخلي تركي قوي وقادر على استيعاب حجم التغيير المطلوب .

بكل تأكيد ، مثل هذه التحولات وتداعياتها والمخططات المضادة لها ، تحتاج إلى سند حقيقي لتركيا في حال أريد لها أن تنجح ، سند سيكون المستفيد الأكبر من نجاح تركيا في خطواتها التغييرية القادمة .

ربما يظن البعض أن الحديث ينحصر في السعودية أو قطر أو بعض الدول الفقيرة ، ولكني أقصد هنا أقوى دول العالم التي قد تغير التحالفات معها شكل الكرة الأرضية ، مثل الصين والهند والباكستان واندونيسيا واليابان ودول الخليج ناهيك عن روسيا وفضاء التعاون والتنسيق العميق معها .

لا غرو أن القيادة التركية واعية بما فيه الكفاية لطرح مبادرات على المدى القصير والمتوسط ، وهي قيادة متقدمة على وعي شعبها بكل تأكيد ، ولا زالت تلعب بعدد من الأوراق القوية بيدها ، ويمكنها استخدامها بكل قوة في فرض رأيها على المساحة الدولية ، كالجغرافيا الاستراتيجية التي تتمتع بها ، والقدرات الاقتصادية والسياحية ، وعضويتها بالناتو ، وتحالفاتها مع عدد من الدول بما فيها بريطانيا والصين واليابان ونحوها ، كل هذا يمنحها أوراق ضغط جيدة في مفاوضات الحوار العالمي ، أو على ساحة الحرب الميدانية إن فرضت عليها لإثبات ذاتها بقوة العضلات .

لكن الأمر الهام هنا ، هو السبق الذي لا بد أن يحظى به العالم العربي في التوجهات التركية الحديثة ، بحيث لا يكون عنصرا هامشيا يتم استحضاره وتهميشه بحسب التوجهات والمصالح التركية ، بل هو شريك استراتيجي ضامن وضابط في أي معادلة ،وشريك في التغيير وصناعة المكانة الدولية الجديدة .

بمثل هذه التحالفات يمكن لتركيا والعالم العربي أن تخرجا من عنق الزجاجة الفعلية ، وأن يقلبا الطاولة على المحاولات التي تستهدف زعزعة الخليج وشمال أفريقيا ووسطها وتركيا بمخططات الحروب وداعش والاستنزافات العشوائية بل وغير المفهومة من أجل أشغال المنطقة في صراعات لا نهاية لها تحرق الآمال قبل أن تحرق الأخضر واليابس .

الخسارة هنا برأيي ستكون بحق العالم العربي في حال تأخره أو رفضه هذا النمط من الشراكة الهادفة والسريعة ، وخسارة تركيا ستكون بصورة أقل مع  هامش ربح تضمنه لها مبادراتها ، ولذلك أحببت أن أطرق الموضوع قبل أن تقع الفأس بالرأس ، مخاطبا دول الخليج وشمال أفريقيا بأن تكون السباقة لفرض المخططات والرؤى لمعادلة إقليمية قوية يكون القرار العربي التركي فيها مؤثرا ومستجابا .