د. نزار الحرباوي
انطلاقة تركيا الاقتصادية الجديدة
أنشر
انسخ الرابط
5000 مشاهدة
استمع إلى المقال
تصغير الخط تكبير الخط
د. نزار الحرباوي

تخوف كثير من الأتراك قبل العرب من اهتزازات السوق التركي نتيجة عوامل الارتفاع في صرف الدولار مقابل الليرة التركية خلال الفترة الأخيرة ، وتداعيات الإشكاليات الأمنية التي عاشتها تركيا خلال الأشهر الماضية ، وشاركهم هذا الخوف كثير من محبي تركيا ومن المستثمرين العرب الذين لديهم استثماراتهم في تركيا أو يرغبون ببداية الاستثمار فيها .

ما بين القراءات التحليلية الخارجية للمشهد التركي ، والتي غالبا ما تتم بعيدا عن فهم مرتكزات الاقتصاد والواقع التركي العام ، أو من خلال بعض الأخبار الإعلامية المجتزأة التي تبثها بعض القنوات الإعلامية ، وما بين تصريحات القيادة التركية ومسؤولي اتحادات رجال الأعمال والخبراء الاقتصاديين نجد أن المسافة كبيرة جدا، والموضوع يحتاج بالفعل لدراسة وتمحيص لبيان الواقع والوقوف على الحقيقة .

بداية ، لا بد لا أن نفهم أن الواقع الأمني في تركيا هو وضع متعارف عليه منذ أكثر من ثلاثين عاما من بداية الصراع مع الأحزاب الكردية المطالبة بالانفصال وعلى ورأسها تنظيم بي كا كا والتنظيمات الأخرى التي تعتمد السلاح كلغة خطاب وحيدة مع تركيا ، وما كان تفعيل الأحداث الأمنية الأخيرة من إطلاق النار والتفجيرات إلا كنتيجة حتمية للحملات الأمنية الكبيرة والفعالة التي قامت وتقوم بها تركيا باتجاه معاقل هذه التنظيمات والتي قد شلت بالفعل كثيرا من قدراتها وتخلصت من الكثير من معاقلها وقياداتها ومصادر تمويلها ومخازن تسليحها ، فكانت هذه الأحداث بمثابة انتفاضة الروح ، حتى لو امتدت لشهر أو اثنين فنهايتها محتومة لصالح تركيا بالتأكيد .

أما بالنسبة لموضوع الليرة التركية في مقابل الدولار ، فهذا أمر عالمي عاشته كل العملات العالمية مقابل الدولار وليس تركيا لوحدها ، ولكن أسلوب التعامل التركي في مواجهة هذه الأزمة كان من الذكاء بمكان بحيث استطاعت اتخاذ جملة من الاجراءات الفاعلة طويلة ومتوسطة المدى للتعامل مع هذه الأزمة وأشباهها مستقبلا بعيدا عن الارتجال والعشوائية ، حتى ولو لم تظهر نتائجها بشكل ملموس ومباشر أمام عيون الناس والمتابعين.

من المهم في فهم المشهد التركي فهم أن تركيا ليست دولة وليدة أو طارئة ، بل هي دولة كبيرة ولها تاريخ ، ولديها اقتصاد قوى وراسخ، ولديها كوادر بشرية على المستوى العالمي ، ولا ننكر هنا حجم الحملة العالمية ضد تركيا في الفترة الأخيرة ، من قبل أمريكا وأوروبا وبعض الدول الإقليمية التي ترفض صعود تركيا أو تعترض على دورها ومشروعاتها وحضورها في المنطقة ، ولكن ردة الفعل التي قامت بها تركيا برأيي كانت قوية بالفعل ،ولها مستقبل لافت على اقتصاد تركيا .

تصريحات أردوغان الأخيرة ، ومن بعده بن علي يلدرم حول الاقتصاد التركي وأنه لا يسعى لتجاوز الأزمة بل لبناء شبكة أمان مستمرة تحفظ الاقتصاد التركي وتعزز من مكانته العالمية دوليا لها دلالة واضحة ، بل وصل الأمر بأردوغان أن يصرح بأن من يستثمر في تركيا الآن سيربح بشكل حقيقي، ومن فاتته الفرصة فقد خسر الكثير وفقد بالفعل فرصة سيعرف حجمها قريبا ،وهو تصريح قوي يدلل على معرفة بما يطرح في ظرف حساس .

اعتمدت تركيا لمواجهة هذه الأزمة على خيارات داخلية وخارجية ، فقد ضخت الأموال في البنوك بالعملة التركية حتى على مستوى الأفراد، وبدأت بالمشروعات الريادية والعملاقة لتأصيل وتعزيز عوامل القوة في الاقتصاد التركي من خلال اللقاءات المكثفة مع كل مجاميع رجال الأعمال التركي ليقوم كل اتحاد وجمعية اقتصادية أو استشارية أو اتحادات الغرف التجارية ومجالس التخطيط والتنمية ومجاميع الصرافة والبنوك ونحوها للخلوص بالتوجهات القوية في مواجهة الازمة وبناء تصور ثابت للتعامل معها ومع أشباهها مستقبلا .

وإذا أضفنا الاتفاقيات الدولية الهامة جدا التي أبرمتها تركيا مع دول عظمى بخصوص التعامل بالليرة التركية في التعاملات الدولية المالية ، لا سيما مع روسيا والصين وغيرها من الدول ، فنحن نتحدث عن فضاء اقتصادي جديد أمام تركيا سيمنحها ميزة نسبية تنافسية فعلية في الاقتصاد العالمي ، لا سيما في ظل التحولات السياسية الكبرى في المنطقة فيما يتصل بسوريا والعراق وروسيا والإدارة الأمريكية الجديدة وتوجهاتها ، فنحن بالفعل أمام تركيا جديدة اقتصاديا ، وتركيا ستشهد انطلاقة اقتصادية مؤثرة على مستوى العالم في مجال إثبات ذاتها على المستوى الاستثماري الداخلي والخارجي وبناء التحالفات الاقتصادية العالمية ذات الأثر والدلالة .