بين الانتقام للذات والتضحية للقضية

بين الانتقام للذات والتضحية للقضية

لفت انتباهي اثناء متابعة حلقات مسلسل عاصمة عبد الحميد الذي يعرض مترجماً للغة العربية الآن ووصل للحلقة الرابعة عشر، والذي يحظى بمتابعة لافتة وتلهف كبير من الجمهور العربي والتركي على حد سواء لمعرفة خبايا تلك المرحلة الحساسة من عمر الخلافة العثمانية ومعرفة حقائق وصفات وتصرفات السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين الفعليين والأقوياء للخلافة وظروفه عزله واسبابها .

هو المفهوم الكبير الدلالة من تمييز دقيق بين الغضبة التي تجتاح الإنسان وتتحكم بتصرفاته وتدفعه لها نتيجة  تقدير الذات بعد تعرضها لإساءة شخصية أو حتى ظلم وعدوان فتسير بالإنسان بشكل عفوي للانتقام أو الاقتصاص لها من المعتدي  .

وما بين الغضبة التي تجتاحه وتدفعه للتصرف والبذل والتضحية  نتيجة دفاعه عن قضية كدين او بلد أو مظلوم تعرضوا للاعتداء .

تلك فلسفة قيمية كبيرة قد لا يدركها الكثير ولا يرى فرقاً كبيراً ومهماً  بين الحالتين طالما أن الفعل الناجم عنهما يمثل عدالة وقضية مشروعة .

حديثين أو موقفين في المسلسل يشرحان ذلك بوضوح ، الحدث الأول في المسلسل عندما قتلت والدة عمر منقبل المدعو هيرام وكان قتلها ظلماً وعدوانا ،وعلى الرغم من أحقية العدالة والقصاص من المجرم القاتل إلا أن القائد العظيم المتمثل بالسلطان عبد الحميد والذي يسعى ليرتقي برجالات الدولة الى تلك الصفات الأخلاقية الحميدة وصناعة رجالات متميزة تقتدي بأثر الصحابة الكرام حيث قال له السلطان اكتشف سر سيدنا علي الكرار رضي الله عنه علماً أن الشاب عمر تجتاحه كأي إنسان قل له عزيز ظلما وعدوانا رغبة بالثأر من القاتل والقصاص منه .

وبالفعل يسمع عمر بقصة علي الكرار الواردة في الأثر ويكون هذا المشهد بالحلقة العاشرة من المسلسل إذ يخبره أبوه قائلا إن الانتقام حق لمن يعرف الحق وأن علياً الكرار كان يواجه العدو يوماً في ساحة الجهاد وعند اللحظة التي ينزل بها سيفه في صد المشرك بصق الأخير في وجه سيدنا علي فالتفت علي وقال للرجل انت طليق فاندهش المشرك وسأله لم تراجعت عن قتلي فقال علي له انا كنت احاربك في سبيل الله وكنت سأقتلك ارضاء له لكنك بصقت في وجهي وأنا غضبت فان قتلتك الان سأكون قتلتك ارضاء لنفسي .

وبالفعل اكتشف الشاب عمر ذلك وفهم أخيراً مغزى رسالة السلطان الحكيم له ولم ينتقم من هيرام ليشفي غليله بل ظل يلاحقه لأجل قضية أمة ووطن .

الحدث الثاني الجميل في هذا السياق يتمثل في القدوة ذاتها أي السلطان إذ يسهل على المرء أن يعطي المواعظ دون أن يلتزم بها ويفشل في الامتحان الذي يستسهله لغيره ، لكن ما حصل أثبت أن السلطان كان متمثلاً بصفات القائد الذي يلزم رجاله بما يلزم به نفسه فتعرض لذات الموقف في الحلقة الرابعة عشر من المسلسل إذ احضر له مجموعة من الصحف كما كل يوم وكان فيها هجوم عنيف كالعادة عليه من الرجالات الغربية ومنها رسم وهو يقاد الى المشنقة وفيها خبر عن مسرحية مسيئة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فما شغل بالاً بما يتعرض له من إساءات وانما اشتعل  عضباً  لأجل رسول الله وقضية دين قويم .

وحينما استدعى رجالاته ظن الجميع بادئ الأمر أن غضبه وما يريد هو انتقام للذات من تشويه وافتراء يلحق به لكنه ظهر غير مهتماً إطلاقاً بالذات ومشتعلاً بالغضب لمنع الإساءة في فرنسا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،حتى أنه قال (يعجز لساني عن النطق ،يهينون سيدنا فخر الكون ،ليهاجموني لا يهمني ،ولكن إن هاجموا ديني ورسولي ،أحيا وأنا أموت ،أسحب السيف وأنا أسلم روحي ،حتى وإن قطعوا رقبتي ،حتى وإن قطعوا لحمي إرباً ارباً ،لكي أستطيع النظر الى وجه رسول الله في الآخرة ،لكي استطيع النظر الى وجه رسول الله أصبح رماداً ،وانبعث من رمادي وأحارب ).

وبالطبع يدرك السلطان حقاً أي ضعف هي عليه الأمة وأي قوة هي عليه فرنسا والغرب ومع ذلك كان مستعداً للموت ودخول الحرب مهما كانت النتائج في سبيل قضية وليس ذات .

هذا الفرق الكبير بين الانتقام للذات وبين البذل والتضحية من أجل قضية كبرى يشرح مدى ذوبان ومحو الكبر والعجب وهي من أكبر أمراض القلوب لا يدركه إلا  العظماء القلائل الذين يعرفون التميز ويميزون حقاً بين الامرين .

قد يرى البعض ذلك مجرد دراما ومشاهد تستهوي الجمهور وتدغدغ العواطف ،لكن المطلعين على التاريخ وخاصة على تاريخ الخلافة العثمانية في زمن القوة والفتوحات يدرك أي فلسفة قيمية أخلاقية عالية كانت عليه .

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com