وظلم ذوي القربى

وظلم ذوي القربى

لا يدري المرء حقيقة كيف تنحدر الأخلاق في الخصومة منحدراً كبيراً وخطيراً لدى عموم البشر ،فتتحول كل الرذائل إلى فضائل في نظر صاحبها وتشكل عناوين انتصاره وشموخه وقوته ،فيظهر التوحش الحقيقي للنفس البشرية وما يمكن أن تصل إليه إن أطلقت لمكنوناتها ورغباتها في الخصومة العنان دون رادع من ضمير ولا خلق.

كل تلك التصرفات المتهورة واللاأخلاقية في الخصومة تبدو مبررة بعض الشيء رغم أن لا تبرير ولا مسوغ أخلاقي لها في الصراع والنزاع مع الغرباء والأعداء ،وقد تزين تلك التصرفات على يد المناصرين والإعلام الخاص بهم على أنها تشفي الصدور وتروي الغليل المتعطش لإيلام الخصم, رغم أن كل ذلك يخالف النهج النبوي الشريف والأخلاقي الفريد في فتح مكة مثلاً وتعامله الرحيم واستملاكه القلوب لمجموعة من الخصوم والأعداء ارتكبوا كل الفظائع .

لكن الغريب والفظيع هاهنا أن تجد تلك الإجراءات الظالمة واللاأخلاقية في مواجهة الشقيق والقريب في حال الخصومة والخلاف تهليلاً وتأييداً و ترحيباً  وتسويقاً.

في الأزمة الخليجية اليوم وبعد أن تم إعلان قطر شيطاناً ومتسبباً بضياع الأندلس وفرض إجراءات الحصار الثلاثي من قبل أشقائها ومخاصميها ،لم تمر تلك الإجراءات القاسية بدون تهليل ولا تطبيل ولا تشفي .

بعض ووسائل الإعلام أبدعت في ذلك وبدون حياء أو خجل لم تشرعن الإجراءات فقط بل وتفننت في عرض مقزز لتأثيراتها على الدولة الشقيقة وشعبها .

تسونامي قطر بتلك العبارة مثلاً أظهرت إحدى المحطات العربية مدى التأثير للحصار الثلاثي فعرضت أزمة المواد الغذائية و تأثر السياحة وخسائر الاقتصاد و تدمير حلم المونديال 2022  والمشاريع التنموية عامة .

أي أنها قالت بكل فرح وسرور لقد ضربنا شقيقنا ضربة لن يقوم منها ابداً وبغض النظر هنا عن حقيقة النتائج ومصداقيتها يكفي مشاهدة حجم الغل والحقد والتشفي .

وهنا يطرح السؤال كبيراً ومدوياً إلى أي مدى وصل الحال وإلى أي مدى يراد تدمير الروابط وزرع الحقد بين الشعوب العربية وتدمير الجسور القلبية التي لا تبنى بسهولة ابداً .

كم كان من الأفضل أن ينعزل الخلاف عن الشعوب وعن قوتها وعلاقاتها وصلاتها وتنقلاتها ،وكم كما راقياً أن يتأسف الإعلام المهني على ما يجري بدلاً من التهليل و الاستفزاز المستمر ،أو على أقل تقدير يشرح ما حصل ومبررات من فعل دون تهويلات ومبالغات مقززة تظهر الفرح والسرور وانتصار المغوار المقدام على الخصم الشرير .

هذا النهج من التفكير للبعض تجاه الأهل والأقربين وهذا الحقد المتفجر يستحضر قرار فجار قريش مثلاً وفرحتهم  بفرض حصار كامل على أشقائهم من بنو هاشم ومقاطعتهم بيعاً وشراء وزواجا .

ليس ذلك بمكان تشبيهاً لأحد بقريش ولا أحداً ببني هاشم ولا بالقضية القضية ولا تضامناً مع أحد ضد أحد و إنما وجه التشابه هاهنا بالنهج و طريقة التفكير .

تشابه بالدرجة التي يمكن أن يصل إليها ظلم ذوي القربى وانعدام الرحمة والإنسانية منه في لحظة تجاه الأخ والقريب ، وحين يذم ذلك فلا يذم لصدوره من زيد بوجه عمر بل يذم موضوعاً بغض النظر عن الأسماء وبغض النظر عن الخصم مادام شعباً شقيقاً .

لكن جدير هاهنا أن  لا ننسى أن نفراً من قريش لم يكونوا مؤمنين بالإسلام ساءهم أن يصل الحال إلى ما وصل وما استطاعوا السكوت على موت الأقرباء جوعاً و ضعفاً فانتفضوا بدافع من مروءة الأخلاق لتمزيق ما اتفق عليه فجار قريش في مقاطعتهم تلك .

فهل من أصحاب خلق تبقي الخلاف منحصراً بمنطقه و بعيداً عن قوت الناس و عملهم ويترك لقابل الأيام من مكان للصلح والوئام  .

أم يستمر القريب بظلمه وعلى شعوبنا دفع الثمن وهو مرير أليم .

وهو كما قال الشاعر

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ .

 

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com