أ.طلعت خطيب أوغلو
رئيس تحرير نيو ترك بوست
المال حول العالم...لعبة ورق
أنشر
انسخ الرابط
5000 مشاهدة
استمع إلى المقال
تصغير الخط تكبير الخط
أ.طلعت خطيب أوغلو

الثراء, المال, الثروة, أطلق عليها ما شئت من الأسماء, هي تلك القيمة الكبيرة من المعادن الثمينة أو ما يقابلها من العملات المتداولة رسميا حول العالم, نكشف في هذا المقال كيف تكونت قيمة الورقة التي لا تساوي في حقيقتها الخام بضعة قروش تركية أو بضعة سنتات أمريكية لتصبح لها قيمة مالية رسمية في العالم, ولنأخذ الدولار مثالا.

البداية كانت من  تلاعب قادة الدول القدامى بنسب المعادن الثمينة في النقود لصنع المزيد من النقود لبناء الجيوش، حيث حاول الأسياد الإقطاعيون إضعاف المخزون النقدي لبعضهم البعض، وكان من يقومون بتزييف العملات كُثُر لكن أشهر حرب العملات, تلك التي دارت بين الامبراطورية البريطانية ومستعمرتها في أمريكا.

في القرن السابع عشر، أي قبل حول 350 عاما من الآن كانت انجلترا ترغب باستمرار سيطرتها على  المستعمرات الأمريكية التي كشفت في تلك الفترة للاستفادة من الموارد الطبيعية التي وجدت بها  ولفعل ذلك، قلل الإنجليز من (كمية النقود المعروضة) ومنعوا المستعمرات قانونياً من صك عملات خاصة بها ليرتبط اقتصاد المستعمرات الأمريكية بانجلترا فأُجبرت المستعمرات على أن تتبادل البضائع باستخدام سندات دين انجليزية يمكن صرفها فقط مقابل الحصول على سلع من انجلترا وكان الدفع يتم لسكان المستعمرات مقابل بضائعهم بهذه السندات وبذلك تم منعهم من المتاجرة مع الدول الأخرى.

 

ومن خلال الحياة الطبيعية بين السكان الجدد في في الأرض المكتشفة جديدا كان لزاما عليهم أن يقوموا بعمليات تبادل تجاري فيما بينهم، فبدؤوا استخدام سلع أخرى في عملية المقايضة ففي المستعمرات الشمالية استخدموا الذرة وأسماك القُد وفي مناطق أخرى كانوا يفضلون التبغ وقد أعلن الكثير من هذه السلع أموالا قانونية على الرغم من أن بعضها لم يحقق انتشارا كبيرا.

يقول جيسون جودوين: إن قيمة التبغ في التداول كانت تتذبذب بناء على نجاح المحصول، مضيفا أن مشكلة أخرى برزت فيما يتعلق بالتبغ وهي أن "الأوراق كانت تخزن ثم يجري تداولها، لكن بالطبع كانت تتفتت وتجف وكان الناس يسعون إلى مقايضة الأوراق الأكثر تفتتا وجفافا. وذلك كان يسبب الكثير من الإرباك، لأنه في الحالة التي تكون فيها عملتك متدهورة للغاية تفقد قيمتها وبالتالي هذا شئ غير جيد."

بعد الحروب الطاحنة التي خاضها السكان الجدد داخل الأرض الجديدة بداوا بتشكيل قوانين تضبط الحياة القانونية والسياسية والاقتصادية فيما بينهم وفي عام 1785 اجتمع المجلس القاري في نيويورك وأصدر الدولار في السادس من يوليو/تموز لتكون عملة رسمية للولايات المتحدة الأمريكية الجديدة.

وقرروا تقسيم الدولار الواحد لمئة جزء عرف بالسنت الأمريكي غير أن خلافات دبت بينهم أدت إلى تأخر صك العملة في أمريكا حتى عام 1792م.

والعملة الورقية الأمريكية، والتي تعرف أيضاً بعملة المناقصة القانونية، استمرت بالصدور من عام 1862 حتى 1971 في الولايات المتحدة. وكانت تستخدم كعملة لما يزيد عن 100 عام، حيث كانت تصدر لأكثر من أي نقود ورقية أمريكية أخرى. في ذلك الوقت كانت تشتهر باسم "greenbacks"، الاسم المأخوذ عن العملات الورقية الدنماركية التي حلت محلها عام 1862.

عندما صدرت القاعدة الذهبية وكان ذلك يعني أنه نظرياً يمكنك أخذ أموالك إلى فورت نوكس FortKnox ومبادلتها بما يقابل قيمتها من الذهب. وهو أحد الابتكارات التي أدت إلى نشوء الاحتياطي الفدرالي في 1913، الذي مُنح القوة لإدارة الاقتصاد عن طريق التحكم بالكتلة النقدية (المعروض النقدي) ومعدلات الفوائد على القروض.

 

وكانت اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods) عام 1944، تلك الاتفاقية التي جعلت الدولار هو المعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم، حيث تعهدت الولايات المتحدة الأمريكية في اتفاقية (بريتون وودز) أمام دول العالم بأنها ستمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات، وكانت الاتفاقية تنص على من يسلمها خمسة وثلاثين دولارا تسلمه أونصه من الذهب (أوقية)

حضر هذه الاتفاقية 44 دولة، واستمر انعقاد المؤتمر لأكثر من 22 يومًا، تمّ فيه توقيع عدد كبير من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تنظم التجارة العالمية الدولية بالإضافة إلى تطبيق بعض الشروط والقيود عليها , وكان أهمّ نتائج المؤتمر اعتماد الدولار الأمريكي كمرجعٍ رئيسي لتحديد سعر عملات الدول الأخرى; مما زاد من هيمنة الدولار الأمريكي على تعاملات العالم الاقتصادية، حيث صارت هذه الدول الـ44 ترجع إلى الدولار الأمريكي لتحديد قيمة عملاتها دوليًا.

 

ولكن الأزمة الكبرى حصلت عندما طالب الرئيس الفرنسي تشارل ديغول عام 1971م بتحويل الدولارات الأمريكية الموجودة لدى البنك المركزي الفرنسي إلى ذهب (طالب بتحويل 191 مليون دولار إلى ما يقابلها من الذهب، وكان سعر الأونصة 35$)، عملًا باتفاقية Bretton Woods التي تسمح بذلك; أدّى هذا الأمر إلى عجز الولايات المتّحدة لاحقًا عن تحويل أي دولارات أمريكية إلى الذهب، مما دفع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى إصدار بيان في عام 1973 يلغي فيه التزام الولايات المتّحدة بتحويل الدولارات الأمريكية إلى ذهب، عُرفت لاحقًا باسم Nixon Shock (صدمة نيكسون).

كانت صدمة حقيقية للدول على مستوى العالم، إنّها خدعة تمّ خداع العالم بأسره بها، فبعد أن كانت تعمل على مرّ السنوات لتكديس الدولار الأمريكي كاحتياطي للنقد الأجنبي لتستبدله بالذهب عندما تريد، أصبحت الآن غير قادرة على ذلك، والأسوء من كلّ ذلك هي أنّها كانت ما تزال مجبرة على التعامل بالدولار، لأنّها لا يمكنها التخلّي عنه بعد أن قامت بتكديس كلّ هذه الدولارات في الاحتياطي النقدي الأجنبي وإلّا ضاعت أدراج الرياح.