د. نزار الحرباوي
تاريخ الديمقراطية في تركيا .. دراسة حالة
أنشر
انسخ الرابط
5000 مشاهدة
استمع إلى المقال
تصغير الخط تكبير الخط
د. نزار الحرباوي

شكل يوم الاثنين الموافق ٧ كانون ثاني - يناير ١٩٤٦م لحظة مصيرية فارقة في التاريخ السياسي التركي المعاصر بعد العهد الجمهوري ، في هذه الليلة الباردة تم حسم قرار الشعب بالتوجه نحو مرحلة سياسية تعددية ، وإلغاء سيطرة الحزب الواحد وهيمنته التي استمرت في المشهد التركي ٢٣ سنة متواصلة .
ما بين حزب الشعب الجمهوري الذي بنى سياساته على مبدأ العلمانية وسلطة الدولة المطلقة ، وميلاد الحزب الديمقراطي الوليد قامت الحرب الضروس لفرض الأجندة والسياسات .
مشاحنات صارمة شهدتها تركيا بين أجندة الحزبين ، ومع أن الحزب الديمقراطي ولج العمل السياسي وهو يعلم علم يقين أنه يدخل في حقل ألغام ، سيضطر من خلاله لمواجهة العسكر والدولة العميقة والمفاهيم النمطية في العقل التركي الجديد ، إلا أنه قرر المضي قدماً ليمثل تطلعات شريحة هامة من الشعب طالبت بحقها في التعبير وصناعة القرار بعيدا عن هيمنة الدولة .

انطلق الحزب الديمقراطي في طريقه السياسي متسلحاً بالإرادة الشعبية ، معتمداً شعار : ( كفى !! الكلمة للشعب)، وهو شعار يختزل توجهاته التي تصطدم مباشرة مع البيروقراطية الثقيلة ، ومؤسسات الدولة العميقة ، ومصالح النخب المنتفعة من المناخ السياسي والاقتصادي القائم على البطش والكبت السياسي.

هنا تحديداً بدأ سريان مفهوم جديد ، ألا وهو مفهوم السياسة المجتمعية ، واشتراك الشعب في صناعة التوجهات الداخلية والخارجية .
استطاع الحزب الديمقراطي أن يفرض مجموعة من المتغيرات التي لمسها الشعب التركي برغم كل التحديات والعقبات ، فقد استطاع من خلال البرلمان أن يقر قانون إعادة الأذان إلى اللغة العربية بعد أن تم تحويله للغة التركية وهو ما اعتبر نصرا كبيرا للشعب في وقتها.


ركز هذا الحزب على المبادئ التي اختاره الشعب ليطرحها ، فطرح مفاهيم الحرية ، الفكر المجتمعي ، نمط الحياة ، العمل المؤسسي ، ومع أنه لم ينجح بتطبيقها في الواقع ، إلا أنه وضع حجر الأساس لنمو هذه المفاهيم في الفترات اللاحقة ، ولذلك حظي عدنان مندرس رئيس الوزراء التركي الأسبق بمحبة خاصة في نفوس الأتراك استمرت حتى يومنا هذا .
نقطة هامة هنا ينبغي التنبه لها ، وهي المنهجية المضادة التي اعتمدها ممثلون الدولة العميقة في مواجهة عدنان مندرس ، وهي منهجية إعلامية ترتكز على ثلاث محاور .
أول هذه المحاور هو محور الدكتاتورية ، حيث اتهم بمصادرة قرار الآخر ، وأتهم ثانياً بتعريض نظام الجمهورية للخطر ، وأتهم ثالثاً بإفساد الوحدة الوطنية وتشتيت النسيج الاجتماعي في الجمهورية التركية .
ومع أن الحرب بدأت ضده من أول يوم بعد ظهور نتيجة الانتخابات البرلمانية ، وسخرت كل وسائل إعلام الدولة ضده، وتمت مهاجمته سياسيا واقتصاديا ، إلا أنه نجح في الوصول إلى قلب الانسان التركي ، رغم فشله في تحقيق أهداف حزبه .


انقلب الجيش على مندرس ، وانقلبت الدولة العميقة عليه بقوة ، وتم إعدامه ونفيه ، وتم تشويه صورته أمام الشارع ، ولكن ، إذا سألت أي طفل أو رجل أو امرأة في تركيا اليوم ، فستسمع كلمة واحدة يجمع عليها الأتراك بكل مكوناتها ( الله رحميت فيرسن ) ومعناها ، رحمه الله رحمة واسعة ، وهي دلالة على مقدار محبته الغامرة .

تركيا اليوم ، تعيش على ذكراه ، ونجاحات تركيا السياسية المعاصرة تعود لجهد مندرس ، وتوجهاته التي بدأ فيها مواجهة بطش العسكر ، وتركيا اليوم بقيادة اردوغان تعيش في ظلال معادلة مندرس سابقاً ، وهي تعيش شعار ( كفى!! الكلمة للشعب ) والتي تمثلت في الحالة السياسية التركية في السنوات العشر الأخيرة بصورة واضحة وجلية .