تصغير الخط تكبير الخط
أ. عبد السلام فايز

 

إنّ المتتبّع للعلاقة القائمة بين تركيا و فرنسا منذ عقود و حتى اليوم ، يعلم تماماً أنّ العلاقات التركية الفرنسية لم تكن على ما يُرام فيما سلف ، فقد وُضِعَت هذه العلاقةُ على المحكّ أكثر من مرّة ، و وصلت إلى درجة الندّيّة في كثير من الأحيان بعكس اليوم .
و لو أردنا التطرّق إلى ذروة هذا التأزّم في العلاقات بين البلدين في العصر الحديث ، لوجدنا أنفسنا مضطرين للعودة حتى عام 2011 ، عندما كان الرئيس التركي رجب طيب آردوغان رئيساً للوزراء في تركيا ، و بلغ التراشق الإعلامي درجةً عالية المستوى ، و ذلك على خلفية إقرار الجمعية الوطنية الفرنسية مشروع قرار يقضي بتجريم كل من ينكر إبادة الأرمن الجماعية ، بين عامي 1915 و 1918 م ، الأمر الذي استفزّ أنقرة آنذاك ، و جاء الردّ على لسان رجب طيب آردوغان الذي اتهم بدوره فرنسا ، بارتكاب إبادة جماعية في الجزائر ، كما شنّ آردوغان نقداً لاذعاً لِنيكولا ساركوزي الذي كان يروّج لحملته الانتخابية قبيل الانتخابات الفرنسية ، كما اتهم آردوغان النوّاب الفرنسيين الذين دعموا القرار بأنهم اتخذوا قرارات سياسية على أساس عنصري .. 
أمّا اليوم و مع وصول الرئيس الفرنسي الجديد  إيمانويل ماكرون إلى سدّة الحكم في فرنسا ، بدأت العلاقات التركية الفرنسية تشهد تقدّماً ملحوظاً في كافة المستويات ، و ذلك قياساً مع توتّر العلاقات بين أنقرة من جهة ، و معظم الدول الأوروبية ولاسيما ألمانيا و هولندا من جهةٍ أخرى  ، لدرجة أنّ الرئيس الفرنسي عبّر عن إعجابه بشخصية الرئيس التركي رجب طيب آردوغان أكثر من مرّة .
و عندما اندلعت الأزمة الدبلوماسية بين أنقرة و أمستردام ، و بلغت الأزمة أوجها ،  انفردت فرنسا عن سائر الدول الأوروبية بموقفها العقلاني المعتدل ، ففي حين تضامنت الدنمارك مع جارتها هولندا و طلبت تأجيل زيارة رئيس الوزراء التركي إليها آنذاك ، و التي كانت مقررة بعد يومين من اندلاع الأزمة بين هولندا و تركيا ، و في حين ألغت السويد عقداً لاستئجار أحد المباني الضخمة في العاصمة السويدية استوكهولم لصالح تجمّع للجالية التركية في السويد ، و في حين توترت العلاقة بشكل واضح بين ألمانيا و تركيا كذلك ، بعد كل ذلك جاء الموقف الفرنسي الذي ناقض المواقف الأوروبية السابقة كلها ، ليطالب الدول الأوروبية بضبط النفس تجاه تركيا و عدم التصعيد ، و التحلّي بالعقلانية و المنطق السياسي لتجاوز هذه المرحلة الصعبة في العلاقات التركية الأوروبية .. 
و فيما يخصّ انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي ، تميّز الموقف الفرنسي في عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بأنه لا يمانع على الإطلاق دخول تركيا في الاتحاد الأوروبي ، و بأنّ تركيا دولة شريكة للاتحاد الأوروبي و يجب الحفاظ على استمرار العلاقات معها ، و ألا تصل الأمور إلى القطيعة و الشقاق ،  و ذلك بعكس الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الذي عارضَ هذه الفكرة و بشكل قاطع ، خاصّةً عندما كان وزيراً للداخلية 2005 ، فقد اتّسم موقفه وقتها بالحدّة و التعصّب الديني ، بينما يشهد الموقف الفرنسي اليوم انفراجاً ملحوظاً حيال هذه المسألة  . 
كذلك الأمر فيما يتعلق بمسألة تسليح الوحدات الكردية و دعمهم عسكريا و لوجستياً ، و هو ما يزعج تركيا و يجعلها تطالب و بالفم الملآن الدول الداعمة لهذه الوحدات ، بإيقاف هذا الدعم ، و الالتفات إلى الحليف التركي الاستراتيجي ، هنا كذلك تقاربت وجهات النظر بين فرنسا و تركيا ، و ذلك عندما عابَ الرئيس الفرنسي ماكرون على واشنطن دعمها للوحدات الكردية ، و ذلك خلال قمة الناتو التي انعقدت في بروكسل في شهر أيار 2017 م ، و كان ماكرون محتدّاً ، لدرجة أنه و كما ذكرت وسائل الإعلام واصفةً المصافحة التي تمت بين ماكرون و ترامب ، فقد تقصّد ماكرون في المصافحة هذه أنْ يؤلم يد ترامب من خلال الضغط عليها بشدة ، و هو ما تناقلته آنذاك معظم الصحف الأوروبية .
فالعلاقات التركية الفرنسية تسير في الاتجاه الصحيح ، و يقول مراقبون بأنهم ينتظرون مزيداً من التعاون الاقتصادي و الاستثمارات بين أنقرة و باريس .