تصغير الخط تكبير الخط
أ. عبد السلام فايز

يعيش في هولندا حوالي 400 ألف شخص من أصول تركية ،  نصفهم تقريباً يحملون الجنسيتين التركية والهولندية معاً . القسم الأكبر من الهجرة التركية إلى هولندا، حدثت بين ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عندما كانت هولندا في حاجة ماسّة للعمال ،  و بالتالي فإنّ المهاجرين إلى هولندا كانوا بشكل رئيس من الطبقة العاملة . ريفيّون أتراك قدموا ضمن موجة القدوم هذه ، و قصدوا هولندا و ألمانيا في الوقت نفسه .
السياسة الهولندية الرسمية حتى مطلع التسعينيات تجاه المهاجرين الأتراك كانت تقوم على تصنيفهم والاحتفاظ بهم  بصفتهم ضيوفاً أو عمّالاً ، لأنها افترضت أنهم سيعودون إلى تركيا عندما تنتهي هولندا  من حاجتها إليهم ، و لم تكن تعلم أنهم سيصبحون جزءاً لابأس به من المجتمع الهولندي .
 من جانب آخر، أياً كان الحزب السياسي الحاكم في تركيا، فإن سياسة الدولة التركية تجاه المهاجرين الأتراك في أوروبا ظلت على الدوام على اتصال بهم، من خلال السفارات و  القنصليات والمراكز الثقافية ، بغرض الإبقاء على هويتهم القومية وولائهم للوطن .
و استمرت سياسة عدم الاكتراث الخاصة بالدولة الهولندية تجاه المهاجرين الأتراك ، حتى مطلع التسعينيات، إذ كان تدريس أطفال المهاجرين الأتراك في هولندا يتم باللغة التركية ، و  بواسطة معلّمين من تركيا ، بدون توفير فرص اندماج لهم ضمن المجتمع الهولندي . 
 في العام 1992، اجرت السلطات الهولندية استطلاعاً للرأي العام واكتشفت أن الجيل التركي الثاني يريد البقاء في هولندا ، ولا نية له بالعودة إلى تركيا، بينما الجيل الأول ما زال يريد العودة. وكنتيجة للاستطلاع، أجرت الحكومة الهولندية تغييراً سياسياً لافتاً تجاه المهاجرين وتبنّت سياسات استيعابية ، تمّ من خلالها البدء بتعليم الأطفال الأتراك باللغة الهولندية ، و في الصفوف نفسها التي يتعلم فيها الأطفال الهولنديون. ومع ذلك وكما قال بعض المهاجرين الأتراك في هولندا، فإن التغيير في سياسة الدولة تجاه المهاجرين الأتراك لم ينعكس سلباً على المجتمع الهولندي ، و ذلك بعد أن عاش الأتراك والمجتمع التركي في هولندا سنوات التهميش والتمييز على المستوى الاجتماعي . 
على سبيل المثال، هناك أمثلة قوية عن مرشحين أتراك-هولنديين للعمل عوملوا بتحيّز بغضّ النظر عن حيازتهم المؤهلات ذاتها التي يحملها مواطنون هولنديون أصليون. تجارُب التمييز هذه على مستوى المجتمع أنتجت إرادة قوية لدى الأتراك بضرورة إثبات وجودهم و هويتهم التركية في المجتمع الهولندي ، و فرض الوجود التركي من خلال العلم و العمل في الوقت ذاته .
 و بالإضافة إلى ذلك، فإن المهاجرين الأتراك إلى الدول الأوروبية أوضحوا أنّ تصاعد الاسلاموفوبيا والتركوفوبيا في أوروبا خلال السنوات الماضية، والتصوير المستمر للأتراك بصورة نمطية سلبية في الإعلام ،  وتغيير سياسات الدولة التي جعلت من الحصول على الجنسية  أكثر صعوبة، هي أمور ساهمت في زيادة هذا الشعور . 
 كما أنه من الضروري ملاحظة أن المجتمع التركي في هولندا، كما هو واضح، هو مجتمع متجانس ، يعطي الأهمية لمصلحته الوطنية و يفضّلها على انتماءاته الحزبية و الفصائلية ، و لعلّ التفاف أبناء الجالية التركية في هولندا حول علم بلادهم بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ، هو خيرُ دليلٍ على صحّة هذا القول ، فالأتراك ضربوا أروع الأمثلة في الوحدة الوطنية خاصةً خلال الأزمات التي يتعرض لها الوطن التركي ، فلا مصلحة تعلو فوق مصلحة الوطن ، و قد ذكر رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ، ذكر لوسائل الإعلام قصة المواطنتين التركيتين شريفة و سما ، اللّتين تنتميان لتيّارين مختلفين في تركيا ، و ذكر كيف أنهما كانتا تتناوبان على قيادة شاحنة كبيرة ، لإسعاف الجرحى الذين أصيبوا بنيران الانقلابيين .
و اليوم يصل الأتراك و بعد سنوات التهميش إلى عقر الحكومة الهولندية ، فلا يخفى على أحد في هولندا اسم البرلماني الهولندي ذي الأصول التركية توناهان كوزو ، الذي رفض مصافحة رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو أثناء زيارته إلى هولندا ، قائلا له : لا أصافح قاتل الأطفال .... و بالتالي فإنّ الأتراك في هولندا اليوم عندما يقارنون بين سنوات تهميشهم وبين واقعهم الحالي , تجدهم يتطلّعون نحو مزيد من إثبات الحضور التركي في هولندا و عموم القارة الأوروبية .