بهتشلي يكتب مستقبل المنطقة

بهتشلي يكتب مستقبل المنطقة

كعادته في الفترة الأخيرة كان لحزب الحركة القومية التركي دور كبير في تغيير مجريات الأحداث في تركيا وفق رؤية تضع المصالح الوطنية فوق كل اعتبار.
دولت بهتشلي  زعيم حزب الحركة القومية المعارض، والذي بدا متوافق في كثير من المواقف مع الحزب الحاكم من منطلق المصلحة العامة، وهو سلوك تفتقده المعارضة في بلداننا، فالرجل الحاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد يفهم بجلاء معنى المعارضة في النظم الديمقراطية، فالمعارضة في وعيه ليست إفشال الحزب الحاكم، بل تقويمه من أجل المصلحة العليا للوطن، ومن هذا المنطلق فقد وقفت الحركة القومية بكوادرها ومناصريها وقفة رجل واحد مع قواعد وأنصار حزب العدالة والتنمية منذ اللحظة الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة في الخامس عشر من تموز، كما ولقد كان لبهتشلي موقف رائع استطاع من خلاله تغيير وجه الحياة السياسية في تركيا حينما دعم حزبه وبقوة إجراء الاستفتاء على تعديل الدستور ليتغير معه النظام السياسي في الدولة، وما سيتبعه من تغيرات تصب في صالح ترسيخ الديمقراطية في البلاد، وتزيح عنها شبح الانقلابات العسكرية، واستكمالا لهذا المسار الذي بدأه بهتشلي، فلقد كان لمطالبته تقريب موعد الانتخابات النيابية والرئاسية، والتي كان محدد لها نوفمبر من العام القادم إلى أقرب وقت ممكن من هذا العام، أثر كبير في رسم مستقبل الجمهورية الثانية التي تتأسس الآن على يد المخلصين من سياسي تركيا، والتي اختارت أن تكون كبيرة وسط عالم لا يحترم إلا الكبير.

الخطوة الجريئة التي اتخذها بهتشلي في مطالبته تقريب موعد الانتخابات البرلمانية و الرئاسية تلقفها الرئيس رجب طيب اردوغان، ليدعوه للقاء كان تاريخيا في قصر بشتبية بأنقرة، ليخرج بعده الرئيس ليعلن يوم الرابع والعشرين من يونيو موعدا لإجراء الاستحقاقين البرلماني والرئاسي، كما هو منصوص في التغييرات الدستورية التي استفتيا عليها الشعب.

وتأتي أهمية خطوة بهتشلي في كونها ستضرب أكثر من صقر بحجر واحد من أجل الحفاظ على العش التركي بل ويزيده نماء.
فالسياسة الداخلية تحتاج إلى ترتيب الأوضاع بعد حالة السيولة التي شهدتها في الفترة الأخيرة والمتمثلة في حالة الاصطفاف التي تقوم بها المعارضة، وهي حالة لا يمكن الحديث عنها لو لم تكن مدفوعة بأغراض تصب في خدمة الوطن، أما وأنها تعمل من أجل مصالحها الشخصية الضيقة بإيعاز من بعض الدول الإقليمية، فهنا مربط الفرس ومهلكه، لذا فبهتشلي أراد أن يستفيد من شعبية الرئيس اردوغان رئيس حزب العدالة والتنمية المتصاعدة بعد عملية غصن الزيتون، والمتحالف معه، و اللذان يمثلان الأغلبية البرلمانية الآن، لنزول انتخابات جديدة يربك فيها تحركات منافسيه، وهي خطوة تعد مقبولة في النظم الديمقراطية، والمثال الأشهر عليها مطالبة رئيسة الوزراء البريطانية تريزا ماي بانتخابات مبكرة مستغلة شعبية حزبها بعد الاستفتاء على البركست، وهو ما يعني أن الرجل أراد أن يعطي ولحليفه دفعة جديدة تطيل من عمر خدمتهم لوطنهم بما يروه في مصلحة ذلك الوطن بعيدا عن المحاولات الخارجية لتقويض مسيرة تركيا.

و على الجانب الأخر فإن مطالبات بهتشلي بتقديم تاريخ الانتخابات يفسد خطط دول إقليمية وغربية تعمل على تقويض النظام الحاكم في تركيا بمحاولات متكررة لإفشاله، بدأت منذ محالة الانقلاب الفاشلة في 2016، والتي تكشف التحقيقات فيها كل يوم عن مخططات غربية وإقليمية وربما ما ظهر في اعترافات المدانين هو رأس جبل الجليد و ما خفي كان أعظم.

فتحركات دول إقليمية باستضافة قيادات سياسية مهمة و تجهيزهم للانتخابات الرئاسية القادمة والتي كان محدد لها العام القادم قد تكون فشلت بخطوة بهتشلي، كما أن الحرب الاقتصادية، المعلنة منها والسرية، بألاعيب غربية وبأياد إقليمية، والتي بدأت بعد أسابيع من التقاط المتربصون أنفاسهم بعد فشل محاولة الانقلاب، تؤكد أن الحرب لم تنتهي وأن محاولات الانقلاب مستمرة بأوجه مختلفة، ومن ثم فإن استقرار الوضع السياسي بعد انتخاب رئيس وبرلمان جديدان يعملان وفق الدستور المعدل،، يعطي أمانا أكثر للمستثمر ويفتح آفاق جديدة للتنمية، ويؤكد ذلك ما أعطاه الدستور من صلاحيات لرئيس الجمهورية تنأى بالقرارات عن رتابة الروتين الحكومي البيروقراطي في زمن يحتاج فيه القرار جزء من ثانية ليحدد مصير دولة في ظل أفعال سريعة ومخطط لها سابقا في جو من التربص بدولة أريد لها أن تظل تابع، وأراد شعبها وقيادتها أن تعيد مجدها.

بهتشلي نموذج للمعارض الواعي المخلص لبلده، الذي يقدم المصلحة العامة على المصالح الحزبية الضيقة .... رجل بهذه الصفات يستطيع أن يكتب مستقبل ليس تركيا وحدها بل المنطقة بأثرها من خلال إفشال مخططات لو نجحت لتغير شكل توازن القوى في العالم .

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com