ميرال أكشينار والبحث عن مكان وسط الكبار

ميرال أكشينار والبحث عن مكان وسط الكبار

في نوفمبر من عام 2015 وتحديدا بعد ظهور نتائج الانتخابات التشريعية ظهرت حركة معارضة داخل حزب الحركة القومية التركي، ترى في إدارة الرجل القوي في الحزب دولت بهتشلي قيادة فاشلة يجب تنحيتها، قادت تلك الحركة وقتها وزيرة الداخلية السابقة في حكومة نجم الدين أربكان، ميرال أكشينار، وظلت أكشنار مصدر إزعاج لبهتشلي، حتى اتخاذ الأخير قراره بتأييد التعديلات الدستورية التي أفضت إلى تغيير النظام السياسي في تركيا إلى النظام الرئاسي.  وهو ما دفع ميرال أكشنر، و أوميت أوزداك، وسنان أوغان في جمع توقيعات قيادات و قواعد الحزب لعقد مؤتمر استثنائي أملا في الإطاحة بالرجل القوي بهتشلي، ولما لم تنجح مساعيهم، وجدها بهتشلي فرصة للإطاحة بمعارضيه ومصدر إزعاجه، فأحالهم لمجلس تأديب أملا في الوصول إلى قرار بفصلهم، وهو ما استبقه القيادات المعارضة بتقديم استقالتهم من الحزب.

أكشينار التي قادت حركة التمرد داخل حزب الحركة القومية دأبت على قيادة مثل هذه الحركات التمردية داخل الأحزاب، فقبل التحاقها بحزب الحركة القومية، كانت أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، وتولت أكشينار منصب وزيرة الداخلية عام 1996 إلا أنها تركت الحزب بزعم أن الحزب هو امتداد لحزب الرفاه الإسلامي، وهو ما يظهر توجهها الايديلوجي.

في الـ 25 من أكتوبر من العام الماضي و في مؤتمر جماهيري حاشد حضره الآلاف من مؤيديها في قاعة تملئ أركانها صور كمال أتاتورك، أعلنت أكشينار عن مولد حزبها حزب (إيي)، إلا أن المشهد الأبرز في هذه الاحتفالية، نداء مؤيديها لها ... (رئيسة الوزراء ميرال)، واللافت أكثر هو رد أكشينار (لا، لا، ليس رئيسة وزراء بل رئيسة)، إشارة منها على نيتها في تحدي الرئيس أردوغان في الانتخابات الرئاسية القادمة.

أكشنار التي رفعت شعارا لحزبها ( تركيا ستكون بخير ) استطاعت أن تجمع توليفة رافعة للحزب ضمت قيادات سابقة من حزب الحركة القومية، المنشقة عنه، و حزب الرفاه، و حزب الوطن الأم، و حزب الطريق الصحيح، و حزب اليسار الديمقراطي، وهو ما يخلق حالة من التنوع الجامع للحزب الوليد، لكن مع ذلك فإن الحزب يحتاج لحنكة في إدارة هذا التنوع.

ويرى المراقبون أن أكشينار تمثل تحديا جديا في الحياة السياسية التركية، لأنها تستمد شعبيتها من نفس القاعدة الشعبية التي يستند عليها حزب العدالة والتنمية الحاكم، (فئة الناخبين المحافظين والمؤيدين لقطاع الأعمال والمتدينين والقوميين). كما أن التنوع الذي يضمه الحزب يشبه كثيرا تلك التوليفة التي بدأ بها الحزب الحاكم حياته السياسية، كما أن معارضتها للنظام الرئاسي، و الذي لم يجد قبولا شعبيا كبيرا في الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة،  أضفى زخما للحالة التي تؤسس لها أكشينار، والتي، وعلى عكس كثير من رؤساء الأحزاب المخضرمين، استطاعت اختراق صفوف أوساط أبعد من أوساط النخب في المدن الكبرى والتي تستهدفها الأحزاب الكبيرة.

وفيما يبدو فإن هذه الحالة التي استطاعت أكشينار صناعتها أغرت الأحزاب المعارضة للحزب الحاكم، والتي ترص صفوفها من أجل منافسة تسعى فيها لإزاحة حزب العدالة والتنمية، من الاستفادة منها، وهو ما يفسر تحول 15 نائبا من حزب الشعب الجمهوري لحزب (إيي) لتعزيز صفوفه ليتخطى العقبة القانونية للدخول في الانتخابات القادمة والتي تحتم على الحزب شغل 20 مقعد فأكثر في البرلمان لخوض السباق الانتخابي بشكل مباشر. وهو ما يراه المراقبون رداً من الحزب الجمهوري على قرار الرئيس اردوغان بتبكير الانتخابات البرلمانية و الرئاسية، والتي فسرها البعض على أنها محاولة لإقصاء أكشينار وحزبها من المشهد الانتخابي القادم.

أكشينار المعروفة بخطابتها الجريئة قالت في كلمة لها ألقتها بمدينة مانيسا ردا على تبكير الانتخابات البرلمانية و الرئاسية: (لم أكن أعلم بأن اردوغان يخشاني إلى هذه الدرجة، فالسيد الذي نشأ بمنطقة قاسم باشا يخشى ميرال أكشينار، ويركض هاربا منها). هذا الخطاب القوي أمام الرجل الأقوى في تركيا، يدغدغ مشاعر المعارضين ويدفعهم للتصويت لحزب أكشينار حتى يصلوا لمبتغاهم بإزاحة العدالة والتنمية الحاكم منذ 16 عاما، والذي تتهمه المعارضة بالاستحواز على الحكم وتقويض التجربة الديمقراطية التركية، هذا الخطاب يغري أكشينار ليس فقط في البرلمان، وإنما في ما هو أبعد من البرلمان، كما صرحت في مؤتمرها التأسيسي، وهو ما يعني أن أكشينار تبحث لها عن مكان وسط الكبار في الانتخابات القادمة، ويزيد من طموحها تجربة العدالة والتنمية، الذي حكم تركيا في نفس عام تأسيسه، فهل تنجح أكشينار في ذلك؟

 

 

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com