أسباب انخفاض الليرة التركية التاريخي

أسباب انخفاض الليرة التركية التاريخي

أ. مازن الحساسنة

مما لا شك فيه ان هنالك صراعا سياسيا اقتصاديا ضروس بين مؤسسة الرئاسة التركية ممثلة بشخص الرئيس اردوغان وبين المتحكمين بسياسة البنك المركزي التركي ( مؤسسة مستقله ) .

فمنذ اربع سنوات هنالك جدل واسع بين الرئيس اردوغان ومسؤولي البنك المركزي والذي يتمثل بمطالبة الاول خفض سعر الفائدة التي تبلغ 13,5% ، ولكن على خلاف ذلك قام البنك المركزي مطلع هذا العام برفع سعر الفائدة مخالفا رغبة الرئيس التركي ، الذي وصفهم بالخونة، والذي اعلن انه سيعمل بعد فوزه بالانتخابات بالاستحواذ اكثر على القرار المالي في تركيا ، وهذا من شأنه ان يؤكد اتساع فجوة الخلاف بين الطرفين والذي بدوره انعكس سلبا على سعر صرف العملة المحلية ( الليرة ) .
ان هذا كله من شأنه زعزعة الثقة لدى المستثمرين . وزيادة مخاوفهم مما يجعلهم اكثر رغبة بحزم امتعتهم وتحويل ارصدتهم ومغادرة تركيا ، وبالتالي بقاء حالة الاقتصاد التركي الذي يواجه الكثير من التحديات مضطربة غير مستقرة .
و مع ان الاقتصاد التركي حقق معدل نمو مرتفع في
الناتج القومي ربما هو الأعلى بين دول العالم في العام 2017 , وكذلك كميات تصديرية قياسية مقارنة بالاعوام السابقة ، ناهيك عن مجموعة من الارقام الايجابيه التي انجزها الاقتصاد التركي في شتى القطاعات ، ولكن كل ذلك لم يحمي الليرة من الانخفاض لمستويات تاريخية .
وليس معروفا للمراقبين هل ان انخفاض الليرة هو مؤشرا على تدهور الاقتصاد التركي ام هو هجوما خارجيا وداخليا لخلق بلبلة اقتصادية قبيل الانتخابات العامة التركية ام هو تكتيكا مقصودا .حيث ان هنالك العديد من الدول تدفع باتجاه خفض عملتها من اجل الجذب السياحي وارتفاع نسبة تصديرها ، ( وهذا ما يتنافى مع تصريحات كبير مستشاري الرئيس التركي جميل ارتيم الذي أكد ان أي مستوى لليرة يقل عن 3,85 مقابل الدولار هو " مضاربة " ).
لكنني ارى وبالدمج مع الاحتمالات الثلاث السابقة ان هنالك مجموعة كبيرة من العوامل التي ادت الى انخفاض الليرة اهمها :
* ان احد الاسباب الاساسية لانخفاض سعر صرف الليرة التركية ، هو ارتفاع سعر صرف الدولار عالميا .
* اظهرت بيانات رسمية مؤخرا ان معدل التضخم السنوي في تركيا هو اعلى من 10% ، وهذا سببا رئيسيا اخر في تعميق ازمة الليرة والزيادة من فرص انخفاضها . مع التذكير ان معدل التضخم في تركيا وصلت الى 70% قبل اكثر من 15 عاما .
* الميزان التجاري يعاني من عجز واضح اذ يميل لصالح الاستيراد على حساب التصدير ، مما يعطي قراءات سلبية نحو الاقتصاد التركي .
* زيادة حجم الديون المترتبة على الشركات والتي بلغت ذروتها ب 210 مليار دولار مع تراخي وتراجع في التسديد . كذلك هنالك العديد من الشركات الصناعيه التركية اضطرت الى التخلص من العملة المحليه وشراء الدولار لتسديد ديونها المتراكمة بالعملة الاجنبيه .
* تبني البنوك التركية لسياسات اقراضية صعبة جدا بل واحجامها في كثير من الاحيان عن الاقراض وخاصة الى قطاع الانشاءات الذي يعد الان هو الاضخم في تركيا ، مما يعني ذلك تباطوء في النمو وفي حجم الاستثمار ، حيث لا تتجاوز نسبة الاقراض ال 8% بينما كانت 20% قبل ثلاث اعوام .
* سحب مبالغ نقدية اجنبية الى خارج تركيا من قبل المستثمرين وهذا يعني شح موارد النقد في العملات الاجنبيه التي تحصن موقف الدولة التركية في القتال من اجل حماية الليرة وكذلك يؤدي الى انخفاض كمية النقد الاجنبي لدى البنك المركزي التركي .
* ارتفاع سعر البترول دوليا يؤدي الى رفع تكلفة استيراد النفط وهذا يضغط على استقرار الليرة ويزيد من فرص تدهورها . كما ان انخفاض الليرة ساعد على ارتفاع كافة اسعار السلع والى اتساع العجز في الميزان التجاري البالغ 37% ليصل الى 77 مليار دولار .
* تخفيض وكالة ستاندرد اند بورز تصنيفها الأئتماني التركية من B الى BB ضمن فئة الديون العالية المخاطر ، مستندة في ذلك الى ارتفاع مؤشر المخاوف من افاق التضخم . وهذا بطبيعة الحال ساعد في تفاقم وضع الليرة وتدهورها، وهنا قد عبر المسؤولين الاتراك ان تزامن هذا التصنيف مع توقيت الانتخابات التركية ليس مصادفه بل هو تعبيرا مقصودة لمآرب الغرب .
* اقتراب موعد العقوبات الاميركية على بنك " خلق " الحكومي ( المتهم بخرق العقوبات الاميركية على ايران ) ، لعب دورا في تراجع الليرة التركية .
* تأثر الاقتصاديات الناشئة مثل تركيا والبرازيل بالحرب الاقتصادية بين اميركا والصين والتي اعلنها دونالد ترامب حينما ابلغ عن نيته رفع الرسوم الجمركية على عشرات السلع الصينيه في المقابل هددت الصين باجراءات شديدة اذا تم ذلك . وهذا ما اطلق عليه خبراء اقتصاديون بداية حرب التجارة العالمية بين قطبي الاقتصاد الدولي .
* تأثر اسواق المال العالمية بعد قرار اميركا رفع سعر الفائدة والتي سيتبعها ثلاث مراحل اخرى هذا العام تدعم رفع الفائدة .
* المخاطر الجيوسياسية التي تواجهها تركيا وذلك نتيجة لتدخلها العسكري في عفرين شمال سوريا ، وبالمجمل فان الملف الامني السوري قد أثر سلبا على العديد من اقتصاديات دول المنطقة وخاصة تركيا .
* في محصلة الامر : هنالك من يعبث بالاستقرار الاقتصادي التركي ويريد اعادته لعصره الظلامي ، وارتبط ذلك مع تداعيات دولية وداخليه وسياسات واجتهادات مالية ما وظروف امنية اقليمية . كل ذلك بالاجمال شكل بيئة محددة ادت الى تدهور سعر صرف الليرة التركية وجعلها تخسر خلال اسبوعين اكثر من 20% من قيمتها . انني احد الذين يراقبون عن كثب ومنذ سنوات خطوات تراجع الليرة التركية والتي انخفضت اربع اضعاف خلال عشر سنوات ، فانني اجد ان الليرة ستشهد تحسنا نسبيا ما بعد الانتخابات التركية ولكن ستعاود التراجع مرة اخرى حتى نهاية العام ، وسيستمر ذلك اذا لم تستطيع النخب الاقتصادية التركية مواجهة التحديات الكبيرة من خلال وضع رزمة من الاجراءات تعالج فيها مناطق الخلل التي يشهدها الجسم الاقتصادي التركي .

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com