الصلف الأمريكي والحق التركي

الصلف الأمريكي والحق التركي

الكاتب :أ.ياسر عبدالعزيز

أندرو برانسون، أسم أصبح محور العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا خلال الأسابيع الأخيرة، إذ تصاعدت في الساعات الأخيرة نبرة الإدارة الأمريكية المطالبة بالإفراج عن القس الأمريكي الموقوف في تركيا على ذمة قضية متهم فيها بالتجسس ويحاكم عليها وفق القوانين التركية، الرئيس الأمريكي الذي أصبح يدير دولة المؤسسات من خلال حسابه عبر تويتر، غرد منذ أيام قائلا: (من العار تماما ألا تفرج تركيا عن قس أمريكي محترم هو أندرو برانسون، لقد تم اعتقاله فترة طويلة)، وهو ما أتبعه مطالبة نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس بالافراج عن القس المتهم، مهددا بفرض عقوبات اقتصادية على تركيا إن هي لم تفعل.

طريقة الادارة الأمريكية في تناول قضية القس، ذهبت بالعلاقات الامريكية – التركية إلى منحى أبعد بكثير عما رسمته العلاقات التاريخية بين الدولتين، والتي لا يمكن وصفها إلا بالاستراتيجية، وهو ما يضع علامات استفهام كثيرة على تعاطي إدارة ترامب مع الملفات والعلاقات المستقرة للإدارات الأمريكية المتعاقبة، بل وحتى تعاطيها مع مبادئ الديمقراطية وسيادة الدول، التي تحترم قضاء الدول ولا تتدخل في أعمالها.

القس المتهم موقوف بموجب مذكرة استيقاف ويحاكم أمام قضاء طبيعي وفق الدستور والقوانيين التركية التي ارتكب على أراضيها الجرم، والحديث عن التدخل في أعمال القضاء هو حديث يبعد كثيرا عن دول المؤسسات وإدارتها، فلا يمكن فهم مطالبة ترامب للرئيس التركي بالتدخل لحل أزمة القس المتهم إلا على أحد وجهين، إما أن الرئيس الأمريكي يستهين بمؤسسات الدولة التركية، أو أنه يرى في نفسه من القوة بمكان يسمح له بأن يأمر فيطاع.

أزمة القس الأمريكي تتعدي مطالبات رسمية مشابهة للحكومة التركية بتسليم زعيم التنظيم الموازي في تركيا والهارب في بنسلفانيا والذي يلقى حماية الدولة في أمريكا، وعلى الرغم من أن فتح الله جولن متورط في عملية الانقلاب الفاشلة التي جرت في تركيا في تموز 2016 مطلوب للعدالة، إلا ان السلطات الأمريكية لم تسلمه لتركيا رغم المطالبات التركية التي تعددت من وزير العدل ووزير الخارجية وحتى وصل الأمر إلى مطالبة رئيس الجمهورية بتسليمه.

لكن أزمة القس المتهم ليست إلا محاولة تصيد أمريكية لتركيا، بعد أن قررت القيادة السياسية فيها الخروج من تحت مظلة الهيمنة الأمريكية ومحاولات التركيع التي تمارسها واشنطن على العالم حتى على حلفائها في أوروبا.
المواقف التركية الأخيرة والتي تبين مدى استقلالية القرار التركي سواء في التسليح (منظومة أس 400 الروسية) أو في علاقاتها بجيرانها سواء في سوريا أو مع إيران التي فرضت عليها أمريكا عقوبات اقتصادية رأت تركيا ألا تلتزم بها حفاظا على مصالحها الاقتصادية وتخفيفا من حدة التوتر على حدودها، بعد خروجها من الفخاخ الغربية التي زرعت لتركيا بداية من أحداث غازي بارك والمستمرة من خلال افتعال الأزمات الاقتصادية للتضييق على القيادة السياسية في تركيا من أجل الإيقاع بها إن استطاعت.

إن المطالبات الأمريكية بالإفراج عن القس الأمريكي المتهم، رغم نظر القضاء التركي للقضية يعد تعد سافر على السيادة التركية ومؤسساتها العاملة، كما أنه تعد على قيم الديمقراطية الراسخة والتي دعت لها اللايات المتحدة الأمريكية وحاربت من أجلها، لذا فإن التعدي على هذه المبادئ هو إذان بقرب إنهيار دولة ترمب... قال مونتسكيو:  (يبدأ انهيار الدول مع انهيار المبادئ التي أسست عليها).
 

 

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com