نيو ترك بوست | أخبار تركيا بنكهة عربية
الأخبار

فقدَ اثنين من أبنائه الأربعة و نجا بالثالث..  أين الرابع؟ تم النشر: 26/08/2017 - الساعة: 15:16 بتوقيت اسطنبول

نيو ترك بوست الإخبارية
تصغير الخط تكبير الخط
تركيا- نيو ترك بوست

تفاصيل مأساة الحاج أبي مُحمّد من سوريا


تقرير عبدالسلام فايز /هولندا 
لم يكن الحاج أبو محمد يعلم أنه و بعد وصوله إلى أوروبا بسنتين سيكون على موعدٍ مع نهايةٍ موجعة تقصم ظهره، و تنهشُ نُخَاعَ جسده قهراً و حزناً،  و تجلبُ له شتّى أصناف الحيرة و الضلال إزاء مُصَابهِ الجلل.. 

بدموعٍ حارقةٍ جداً و تنهيداتٍ قاتلة،  روى الحاج أبو محمد تفاصيل مأساته لوكالة نيو ترك بوست،  طالباً منّا عدم الإفصاح عن اسمه الصريح أو مكان إقامته حفاظاً على ما تبقّى له من أطلال الهمّة و التفاؤل.. 
يقول أبو محمد : 
كنتُ معلّماً في سورية لمادة التربية الإسلامية و لديّ أربعة أولادٍ ذكور : محمد و إبراهيم و المُغِيرة و البراء ، و كنتُ لهم صديقاً أكثر مما كنت أباً أو معلّماً ، تجمعني بهم سهراتٌ و جلساتٌ أكثر مما تجمعني بهم صرامة الأبوّة ..

ومع اندلاع الحرب السورية و دخولها مرحلة السلاح الثقيل، حلّ الموت ضيفاً علينا ليختطف أصغرهم عمراً ، البراء و ما أدراك من البراء ؟ 

لا أستطيع أن أصف لك ليلتي الحاقدة تلك،  و التي تلقّيتُ فيها نبأ وفاته بعد أن أصبح أشلاءً متناثرة هنا و هناك ، و ذلك بعد أن سقط عليه برميلٌ متفجّرٌ سقوطاً مباشراً ، فحوّله إلى بقايا جثّةٍ هامدة خَلَد صاحبُها في مخيّلتي خلوداً أبديّاً لا يعرف النسيان إليه سبيلا.. 

كان ذلك في ربيع العام 2014م، و إلى الآن يزورني طيف البراء ليخبرني أنه سيشفع لي يوم القيامة كونه طيراً من طيور الجنة يحلّقُ في فضاءاتها كيفما يريد.. 

كانت جراحاتُنا ما تزال نازفةً إثر رحيل البراء عندما أصرّت الحياة على مُعاودة اختبار صَبرِِنا، لِتَختطِف نجلي الأكبر هذه المرّة،  محمداً الذي مايزال في التاسعة عشرة من عمره،  إذ أقدمَ مجهولون على اختطافه و قتله في ظروف غامضة ما عرفتُ تفاصيلها حتى الآن،  فما عرفته فقط هو أنّ محمّداً خرج من البيت ليعودَ مقطوع الرأس،  مشوّه الجسد،  نهشَت سياطُ الكّيّ من جسمه نهشاً حاقداً لا رحمةَ فيه، دونما أسبابٍ تُذكَر أو فديةٍ تُطلَب.. 

فترةٌ عصيبة لم تكن فيها الأعصاب قادرةً على تحمّلِ هذا العبء الثقيل،  فَفُقدانُ الأبناء تباعاً ليس بالأمر اليسير،  بل والله إنّه الموت ذاته،  فكيف إذاً بمن يؤوب إليه نجله مقطّع الأوصال.. 

لم يكن لديّ وسيلة لدفع هذا المُصاب إلا الصبر والسلوان، و التفكير بالهجرة التي ظننتُها ملاذاً آمناً لِوَلَدَيّ اللّذَين أبقاهما الله لي.. 

وبدون تردّد أو تذمّر حزمتُ حقائبي لأشقّ طريق مقصلتي بنفسي دون أن أعلم،  ولكنّها مشيئةُ اللّه التي لابدّ من سريانها في الناس جميعهم.. 

لم أكن أعلم ما تخبّئه و تدّخره لي غربتي السوداء و لم أكن أعلم أنّها ستجعلني أفضّل برميل البراء المتفجّر الذي قطّعه إرباً ، و كذلك رأس محمد المقطوع عمّا سيحصل.. 

فبعدَ أن وصلنا أوروبا وحصلنا على الإقامة و على سكنٍ مستقلّ بدأت الروح المعنوية تستعيد عافيتها نوعاً ما ،  ولكنّ مأساة ولدي محمد لم تكن تفارق ذواكرنا،  فتقفز إلى الذاكرة في كل حين لتعكّر صَفوَنا ، و تعيد إلينا أمارات الحزن بين الفينة والأخرى ..

ومع مرور الشهور في بلاد المهجر بدأَت تغييراتٌ سلبيّةٌ تظهر في سلوك ولدي الثالث إبراهيم،  لم تكن تبشّر بالخير أبداً ، كانت بداياتُها مع تركِه فريضة الصلاة و مصاحبة ثلّة من رفاق السوء الذين لم تَرُقْ لي تصرّفاتهم و أخلاقهم،  و بدوري كَولِيٍّ للأمر و راعٍ مسؤولٍ عن رعيّته، بدأتُ بمتابعة أمور إبراهيم و توجيه النصح له مستخدماً معه جُلّ الأساليب،  تارةً بالعقلانية و التروّي و النصيحة،  وتارةً بالانفعال و الحِدّة والنّديّة،  ولكنّه لم يُعِر لنصائحي و تهديدي و وعيدي أي اهتمام يُذكَر.. 

بدأ أمره يقلقني و يقضّ مضجعي و أنا أبحث عن حَلّ يُعيد إبراهيم إلى ما كان عليه قبيل السفر،  مواظباً على صلاة الجماعة،  مطيعاً لوالديه بشكل منقطع النظير،  ولكنّه أوصدَ جميع الأبواب في وجهي من خلال عناده  و إصراره على البقاء كما هو عليه الحال،  إلى أنْ ذهبتُ إلى بيوت أقرانه و طلبتُ منهم و من أوليائهم بفكّ صداقتهم مع إبراهيم و إلّا سيتحوّل الأمر إلى صِدَام مباشر لا تُحمَد عُقباه.. 

زادتَ المشكلةُ تعقيداً عندما وقعَ جوّاله بالخطأ في يدي و وجدته مفتوحاً دون الحاجة إلى إدخال كلمة السرّ ، و قمتُ بجولة سريعة فيه،  لأرى العجبَ العُجاب،  صور التعرّي و مقاطع الفيديو و المحادثات التي تمنّيتُ أني لم أقرأها و لم أطّلع عليها البتّة ، ناهيكَ عن محادثات اللغة الأجنبية التي لم أعِ فحواها جيّداً ...

هنا بدأ الندم يقتاتني و شعرتُ أنني سقتُ نفسي و عائلتي إلى الحتف البطيء،  وعلى الفور استدعيتُه و سألتُه عن تلك الصور و مقاطع الفيديو و عن المحادثات التي تستخدم أسلوب الألغاز و لكنّ مضمونها واضحٌ بيّن،  ولكنّني تفاجأتُ بردّة فعله التي لم أعهدها في السابق عندما كان إبراهيم ذلك الغلام الخلوق المِطواع الذي يُطأطئ رأسَه عندما يخاطبه والده ، والذي لم أسمع منه لفطاً مريباً قَطّ ، أمّا اليوم فإنّ إبراهيم يجادل و يرفع صوته و يعترض على التدخل بشؤون الخاصة وأنّه لا يحقّ لأي شخص تفتيش جواله و أشيائه الخاصة حتى لو كان هذا الشخص هو أباه أو أمّه،  لترتفع أصواتنا في مشهدٍ معيبٍ لم أكن أتخيّله ولو لِلحظة،  لينتهي ذلك المشهد بصفعه صفعةً مدوّية لم يتقبّلها بل راح يصرخ في وجهي و يعبث بأثاث المنزل تخريباً و تكسيراً و يدفع أمّه التي حاولت الوقوف فيما بيننا و تمنعني من الوصول إليه لينتهي المشهد بفرار إبراهيم خارج المنزل، حاولت اللحاق به لإنزال أشدّ أنواع الضرب به ولكنّه لاذَ بالفرار.. 

عدتُ إلى المنزل خَجِلاً من زوجتي و من ولدي الآخر المُغِيرة،  إذ كان هذا الموقف بمثابة إحراج كبير لي أمام من تبقى من أفراد أسرتي ، ورحتُ أنتظر عودة إبراهيم إلى المنزل من أجل حسم هذه المسألة وسط مطالبات من زوجتي بعدم التصعيد أكثر خاصّةً أنّ القانون يمنع ضرب الأبناء تحت أي سبب كان. 

حلّت سدنة الظلام ولكنّ إبراهيم لم يعد،  اتّصلَت به والدته مرّاتٍ عديدة فلم يُجِبها ، و أرسلَت له رسائل عديدة عبر الواتس ، ولكنه لم يُعِرها أي اهتمام رغم أنّ الرسائل كانت تصل إليه. 

بدأ الشكّ و التخبّط يتجهّمني عندما دقّت عقارب الساعة الثانية ليلاً ولم يعد إبراهيم ولم يستجب لنداءاتنا عبر الهاتف،  وعلى الفور خرجتُ أبحث عنه في شوارعَ خاليةٍ إلا منّي ومن زخّات المطر الهاطلة بغزارة ،  ولكني لم أعثر عليه،  ثم قرّرتُ الذهاب إلى منازل أقرانه لعلّني ألتمس منهم نبأً ما. 

قصدتُ الحيَّ البعيد الذي يسكن فيه أحد أقرانه تحت المطر الغزير و أصوات الرعد المرعبة، و ما إنْ وصلتُ إلى فم الطريق حتّى رأيتُ مجموعةً من الشباب الجالسين تحت مظلة موقف الحافلات ، يتكلمون العربية ، فحدّثتني نفسي بأنْ أذهب إليهم و أسألهم ، فربّما أحصل منهم على معلوماتٍ تُغنيني عن طَرقِ أبواب الناس في مثل هذا الوقت المتأخر ، و عندما وصلتُ إليهم كانت المقصلة التي داهمتني دونما مقدّمات. 

ولدي إبراهيم مع أقرانه الأربعة يحتسون الخمور في منظرٍ تمنّيت أنّي لم أرَه في حياتي قاطبةً ، ليس هذا فحسب بل إنّ سجائرَ غريبة الشكل و البنية في أياديهم،  و ملافظ السوء و القذارة تنطلق من أفواههم. 

لا أستطيع تحديد درجة الغضب التي وصلتُ إليها بعد هذا المنظر،  ورحتُ أتأكّد من أنني في حقيقة أم في حلم إزاءَ ما يطالعني من صدماتٍ قاتلة يتفوّه بها ولدي إبراهيم و أنا أقف أمامه،  محاولاً أنْ أتّخذَ موقفاً حكيماً في هذا الموقف العصيب ، ولكنني فشلتُ في اختبار الحكمة هذا،  و السبب هو أنّ أحدَ الأقران عندما رآني قد اقتربتُ منهم،  حاول أن ينبّهَ إبراهيم قائلاً له بصوتٍ خافت : أبوك أبوك يا إبراهيم 

ولكنّ إبراهيم يريد أن يظهر بمظهر البطل الذي لا يخشى أحداً قط،  فقال لأقرانه بصوتٍ عالٍ متحدياً وجودي أمامه بأنّه لا يخشى لا أباه و لا ربّ أبيه الذي خلقه.. 

هنا كانت الفاجعة و الصدمة التي لم تتحمّلها عقليّتي العربيّة ، فانهلتُ عليه بالضرب المُبرح دون تركيز حتى سال الدم من وجهه و أنفه ثم رميتهُ أرضاً وبدأتُ أركله بقدمي ركلاً مهيناً ، في حين حاول بعض أقرانه دفعي عنه،  فتركتُ إبراهيم ورحت أضرب ذلك الغلام حتى أدميتُه هو الآخر ،  بينما لاذ الآخرون بالفرار،  في هذا الوقت كان ابراهيم قد نهض عن الأرض و اتصل بالبوليس الذي جاء خلال لحظاتٍ إلى ساحة المعركة ، ليَجِدَ أنّ دماءً قد لطّخَت المكان ،و لطّخَت كذلك وجه ابراهيم و صديقه،  و مباشرةً قاموا باعتقالي و أسعفوا إبراهيم إلى المشفى وانتظروه حتى يصحو من خمرته و يُدلي بأقواله،  في حين بلّغوني وأنا داخل السجن أنّ القانون سيعاقبني حتى لو لم يرفع ابراهيم و صديقه دعوةً ضدي ..

لم أجد في سجني سلاحاً سوى دموع النساء التي سالت على الخدود، يا الله!!  هل أصبحتُ في أروقة القضاء خصماً مع ولدي إبراهيم؟!  و هل هذا هو الذي تغرّبنا لأجله و خضنا البحار الهائجة و الغابات و الطرق العِجَاف ؟! 

هل أصبحتُ أنتظر  رأفة ولدي كي يخرجني من السجن و تنتهي هذه المهزلة؟ ولكنّ المهزلة تستمر و تستمر عندما يصرّ ولدي إبراهيم على موقفِه ، بعدم إسقاط حقه والمطالبة بنقله إلى مقاطعة أخرى بعيدة عنّا باعتبار أنّ والده السجين أصبح يشكّل مصدر قلقٍ وإزعاج له،  و المطالبة كذلك بعدم إخباري عن مكان إقامته الجديد و تحذيري من محاولة معرفة مكان إقامته أو الوصول إليه،  وراح يحرّض صديقه و أهل صديقه على عدم إسقاط حقّهم كذلك. 

وهذا ما حدث فعلاً ، فقد تمّ إيداعي في السجن لمدة 35 يوماً ، و خرجتُ من السجن بعد أنْ وقّعتُ على ورقةٍ تعهّدتُ فيها بعدم المساس به أو البحث عنه أو تتبّع أخباره. 

ولمّا وصلتُ إلى البيت وجدتهُ بالفعل قد غادر المنزل بعد يومين من اعتقاله، بذريعة تناول الخمور في غير الأماكن المخصصة لذلك ، و أمّهُ في حالةٍ من الحزن شديدة،  فمنذ أكثر من شهر لا تعرف عن ولدِها شيئاً ولم يحاول هو الاتصال بها أو تطمينها فقط عبر الهاتف.. 

استشاطني الغضبُ مرّة أخرى و بدأتُ بالتحسّس عنه من أجل القضاء عليه نهائياً مهما كانت النتائج و التّبِعات ، ولكن دون جدوى،  فما تمكنتُ من الحصول عليه من معلومات عن طريق أهالي أقرانه،  هو أنّه سكنَ في مقاطعة بعيدةو ينوي تغيير اسمه و كنيته للبراءةِ التامة منّا و من أصلِه و فصله. 

استغاثاتُ أمّهِ لي بإغلاق ملفّ البحثِ عنه هي التي بدأتْ تُقنعني بنسيانهِ،  و نسيانِ أنّ لنا ولداً اسمه إبراهيم ، إنّ التفكير بمثل هذا النوع من الأولاد هو مَضيعةٌ للوقت و مقتلةٌ للنفس،  فاللّهُ الذي أخذَ منّا ولدنا البراء،  ثم ولدَنا محمداً ، و حرمَنا بِرّ إبراهيم ، هو ذاته الذي حفظَ لنا ولدنا الأخير من كل سوءٍ أو انحراف، فللّهِ الحمدُ و الفضل و المِنّة ، لذلك لم أعد أرى ضرورةً للبقاءِ هنا لحظةً واحدة،  سأعيدُ ترتيب أوراقي من جديد،  لتبدأ حياتنا بدون إبراهيم الذي ابتلعَه حوتُ الغربة لقمةً سائغة،  ومع كل الذي جرى فإنّ بابَ التوبة سأبقيه مفتوحاً أمام إبراهيم إذما حاولَ يوماً الاتصال بنا أو تصحيح منهجه القاتل الذي اختاره،  فكيف لي إيصاد هذا الباب و قد فتحه المولى عزّوجل على مدار الساعة؟! 

نداءٌ أخيرٌ أوجّهه إلى يعرف عنه شيئاً : أخبِروا إبراهيم أنّ والدَك و والدتَك و أخاك المغيرة ما يزالون ينتظرونَ عَودتك إنْ شِئت ،  و إنْ لم تشأ فسوف نلتقي يوماً ما عند حاكمٍ عادلٍ لايضيع عنده مثقال حبّةٍ من خردل..

أنشر
انسخ الرابط
17526 مشاهدة
أهم الأخبار
أحدث المقالات
  • 27/10/2017 - 10:37

    تأملتُ.. ( منظفي الشوارع ورافعي القمامة)، كم هم قريبون من الله ﷻ ، إذ حين أنزل الله ﷻ آدم الى الارض ليستخلفه فيها، فالخلافة بالضرورة تعني الاهتمام بالامانة، أمانة الكوكب، وأمانة البشر، وأمانة التعمير والتنمية، ومنظفي الشوارع رافعي القمامة، هم أول من يصدق عليهم ممارسة الاستخلاف عملياً عبر إهتمامهم برعاية الكوكب ليصلح للاقامة والسكن،
اخترنا لكم
  • 18/11/2017 - 16:33

    بجانب بحيرة الأسماك التاريخية في مدينة شانلي أورفة التركية، يقع متجر صغير لا تتجاوز مساحته 20 متراً مربعاً، يضم نحو 3 آلاف قطعة أثرية كفيلة بأخذ زائري المتجر إلى رحلة تاريخية رائعة.
FreeCurrencyRates.com