السلطان بايزيد الثاني بن محمد الثاني (الفاتح) بن مراد الثاني

السلطان بايزيد الثاني بن محمد الثاني (الفاتح) بن مراد الثاني

نيو ترك بوست -

 

كنا قد وصلنا في هذه السلسلة إلى عصر السلطان الفاتح صاحب المكانة المميزة في قلوب المسلمين لما اختصه الله به من فضل وتشريف بأن يكون صاحب التكبير والتهليل للمولى الواحد الاحد الجليل في مدينة قسطنطين العظيم بما ورد في سابق الزمن من بشارة نبوية في حديث شريف بفتح المدينة الحصينة .

وكان بلا شك هذا العصر المجيد نقطة تحول كبرى في تاريخ المسلمين عموما والخلافة العثمانية خصوصا وكان ذلك بتكاتف وتكامل من مثلث ذهبي في قائد محنك ومخلص وأمين و شعب وتكاتف  و شعب واع لقضيته ومضح بما يملك ليستمر على الطريق ورجالات دولة عظام في ميادين شتى في الجيش والادارات و القضاء والعلم والأدب وقد  تعرفنا على الشيخ آق شمس الدين وهو واحد من رجالات تلك المرحلة المجيدة .

وانتقل السلطان الفاتح إلى رحمة الله تعالى كما سبق وذكرنا وبكت قلوب المسلمين عليه في أنحاء الأرض التي يذكر فيها اسم الله بكرة وأصيلا وقد كان للسلطان الفاتح ولدين أكبرهما هو بايزيد و الأصغر هو جم المعروف في كتابات الغرب باسم زيزيم ، ومع الأسف لم تسر  الأمور على النحو المأمول  لتمضي الدولة في مسارها السابق حيث  إن نفوس بعض الرجال وإغراء السلطة لهم والمطامع الكامنة في شهوة الحكم والسلطة تجعل المصلحة الشخصية تتقدم على مصالح المسلمين والبلاد .

حصلت فوضى من الانكشارية في العاصمة في ظل عدم وجود بايزيد وعند وصوله أصبح بايزيد الثاني حاكما للدولة ومتوليا للأمور فكان السلطان الثامن من الأسرة الطيبة في الدولة الصاعدة كالسهم تشق المحن وتضرب جذورها في الأرض

إلا أن أخيه الاصغر جم والذي كان حاكماً في القرمان رفض الاعتراف بشرعية حكم أخيه دونما وجه حق وأراد السلطة لنفسه ونشأ الخلاف في وقت كان جيش من الدولة في مهمته المسبقة لخطة فتح ايطاليا وانسحب الجيش عائداً من حيث أتى .

كان السلطان بايزيد الثاني محبا للسلم ومحبا للخير وحاملاً لتواضع و زهد في ذاته إلا أن اصرار أخيه جم على التمرد والشقاق دفعه للقتال دفعاً حفاظاً على الدولة من التفكك أو اجتياح ذئاب جريحة تتربص في كل اتجاه .

انطلق جم بشكل سريع ودخل مدينة بورصة عسكرياً وأرسل عرضاً لا ينم إلا عن حب للسلطة وللذات فطلب تقسيم الدولة بينه وبين السلطان بايزيد الثاني  .

انطلق السلطان بحزم ومضى مع جيشه لمواجهة أخيه المتمرد قرب مدينة يكي شهر في يوم 23 جمادى الاول 866 هـ و ألحق به الهزيمة وتتبعه حتى حدود الدولة مع المماليك  وأقام جم المهزوم عند سلطان المماليك متربصا الفرصة للعودة .

تلك البداية المخيبة للآمال في صراع داخلي لابد منه كانت مدخلاً لتكشف تراكمات في نفوس ما فهمت قط مشروع الدولة العثمانية مذ كان عثمان غازي في إمارته الصغيرة يقارع المدن الرومية والامراء المتحالفين معها  .

 فلقد أجب أحد اأراء القرمان عرضاً لجم بمساندته في السيطرة على العرش مقابل سلخ القرمان لصالحه كما كان الحال قبل سنين طويلة عندما كان أجداده حكاما فيها وكان المسلمون إمارات تغزوا بعضها و يتلاعب بهم ملك البيزنطيين كيفما شاء .

هاجم جم واتباعه و الأمير القرماني واسمه قاسم بك مدينة قونية عاصمة القرمان وتصدى لهم ولمخططهم قائد عثماني هو كدك احمد بك وهزمهم وفروا مجدداً .

لم يتخلى بكل أسف جم رغم الدماء الزكية المسلمة التي سفكت عن مطامعه الشخصية ورغم عرقلته بما افتعل من شقاق داخلي للفتوحات الخارجية استمر في نهجه ووصل به الحال للتراسل مع الصليبيين الحاقدين  لفرسان القديس حنا في جزيرة رودوس لمساندته فقبلوا ذلك واستقبلوه لديهم في عام 1482 م  ولحق به مبعوث من السلطان للجزيرة يعرض عليهم إبقاء جم في حفظهم مقابل عدم التعرض لهم من الدولة العلية وهدية من مال فقبلوا وبقي عندهم رغم طلبات ملك المجر وألمانيا وغيرهم لجم لاستخدامه خنجرا يطعن الدولة العثمانية اإا ان كبير الرهبان في رودس رفض واكتفى بالأمان من الدولة العثمانية وأرسله بعد سنوات سبع الى البابا انوسان الثامن إلى أن أخذه الملك الفرنسي شارل الثامن اثناء حصار روما ومات مصاحبا للجيوش الصليبية في عام 900 هـ  1495 م وبذلك طوية صفحة جم الذي استخدم طويلاً بوجه الدولة العثمانية واستقرارها الداخلي .

يمكن القول أن منازعات جم للسلطان بايزيد و ما تولد عنه أيضاً من نزاع مع الدولة الشقيقة المسلمة المماليك في الحدود الجنوبية كانتا السبب الرئيسي لتوقف حركة الجهاد والفتوح صبغ عصر حكم السلطان بايزيد الثاني بضعف النشاط الحربي واقتصاره على الدفاع عن الحدود وردع المعتدين و بعض المناوشات البسيطة  رغم تعاظم الحركة البحرية والقدرات العسكرية العثمانية في البحار  .

ذلك الجو من الهدوء ساعد على ازدياد حركة دبلوماسية ونشوء علاقات مع دول أوربية كانت بدايتها مع  مملكة الروس ومن ثم بولونيا وعقدت اتفاقات تجارية معها كما حصل مع ممالك ايطاليا  عديدة  تسابقت للتحالف معه مثل فلورنسا وملك نابولي ودوق ميلانو  .

إلا أن هذا الحال لم يكن يعني أن السلطان كان ضعيفا وقت الحزم والحاجة أو متغافلا عن هموم الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب ولا بد من الذكر هاهنا محاولته لمساندة وإنقاذ المسلمين في الأندلس حيث استجاب لما طلبه أمير غرناطة المسلمة المهددة بالزوال طلب استغاثة فأجابها السلطان وأرسل بطلاً من ابطال الدولة سنأتي لاحقاً على ذكره وهو كمال ريس على رأس إسطول بحري إلى غربي البحر المتوسط إلا أن ذلك لم يكن كافياً لإنقاذ غرناطة من المصير المحتوم و سط تقصير كبير من الإمارات الإسلامية في المغرب العربي وطول المسافة وصعوبة الامداد وكان في ميزان اعمال هذا السلطان انقاذ البحرية العثمانية طول سنين طويلة ل300 ألف مسلم من سواحل اسبانيا ونقلهم للمغرب العربي كما أن السلطان قبل لجوء اليهود المطرودين من الأندلس الى دولته وتركت تلك المذابح للمسلمين جرحاً في الوجدان العثماني وحرباً طويلة في البحار مع الاسبان القوة الأهم في أوروبا و فتحت الملف المغربي ملحاً امام الفكر السياسي العثماني .

 نشبت الحرب لاحقاً مع جمهورية البنادقة  وبدأ العثمانيون في فتح مدن وموانئ من أملاك البندقية  وحصلت المعركة الشهيرة قرب جزيرة سابينزا الايطالية وانتصر الاسطول العثماني بقيادة كمال ريس وفرضت سيطرة عثمانية على البحر المتوسط وكاد ان يتحقق فتح كبير الى ان اضطرابات داخلية جديدة في الدولة تشابه ما حصل أيام جم جعلته يعقد صلحاً مع البندقية في عام 1503 م وتبعها صلح مع كل من انكلترا والمجر وفرنسا .

كان للسلطان بايزيد الثاني ثلاثة أبناء أمراء تنافس اثنان منهما وهما سليم  و كركود وبعد اضطراب داخلي وتمردات خاضها سليم نفسه ضد والده طلب القادة العسكريون في الجيش من السلطان التنازل لابنه سليم المحبوب من قبلهم فقبل واستقال في 8 صفر 918 هـ 1512م  وبعدها بعشرين يوما أثناء سفره توفي عن عمر 67 عاماً ومدة حكم 32 سنة.

كان اهتمامه الأكبر فيها للعمران والبناء والخيرات و العلم والعلماء و كان عالماً بالعلوم العربية والإسلامية والفلك والأدب والشعر وقد أصدر قوانين هامة ونوعية للمرة الأولى في تاريخ الدولة أهمها قوانين حماية المستهلك والقوانين الأولى للمعايير والمقاييس وقوانين حماية البيئة .

 وأخيراً ساند الجيش سليم الأول الذي يرى فيه قائداً حربياً فذاً في تقلده للأمور عسى أن يبعث الروح الجهادية المتدفقة والنشاط العسكري من جديد في جسد الدولة ودفع حركة الفتوحات من جديد دون أن ننسى ونغفل عن الأثر العميق التي تركته مذابح المسلمين في الأندلس وحكاياتهم التي نقلوها معهم إلى الأراضي العثمانية من أثر في تفكير العسكريين العثمانيين و المخاطر المتزايدة من قبل الشرق مع صعود خطر شيعي متمثل في الصفوية.

لتصلك الاخبار أولاً بأول انضم الى قناتنا على التيلغرام عن طريق الضغط على الرابط التالي:

http://bit.ly/2ReT4xY

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com