مائة عام على رحيل السلطان العثماني عبدالحميد الثاني

مائة عام على رحيل السلطان العثماني عبدالحميد الثاني

نيو ترك بوست -

مرت مائة عام على وفاة السلطان الرابع والثلاثون من سلاطين الدولة العثمانية، الذي وصل إلى العرش في الوقت التي كانت تتهالك فيه الدولة العثمانية وقد تشبعت بالثورات والاضطرابات، وامتد حكمه لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان، شهدت خلالها الدولة إصلاحات طالت شتى مجالات الحياة، واشتهر بموقفه الرافض لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

الميلاد والنشأة

وُلد السلطان عبدالحميد يوم 22 سبتمبر 1842، في إسطنبول، لوالده السلطان عبدالمجيد الأول من زوجته الشركسية "تيرمُجكان"، التي توفيت وهو في الثامنة من عمره، فعُهد بعبد الحميد إلى زوجة أبيه "پرستو هانم" التي اعتنت بتربيته، وأولته محبتها.

تعلم عبد الحميد اللغة التركية والفارسية والعربية والفرنسية، ودرس الكثير من كتب الأدب والدواوين الشعرية والتاريخ والموسيقى والعلوم العسكرية والسياسية، وامتهن النجارة، وعُرف عنه مزاولة الرياضة وركوب الخيل والمحافظة على العبادات والشعائر الإسلامية.

توليه الخلافة

توفي والده السلطان عبدالمجيد الأول، وعمر السلطان عبد الحميد الثاني آنذاك 18 عاماً، وتولى عمه عبدالعزيز الخلافة، واستمر فيها مدة 15 عاماً، شاركه فيها عبد الحميد في رحلاته إلى أوروبا ومصر، والتقى عدداً من الملوك الذي زاروا إسطنبول.

وعندما قتل السلطان عبد العزيز في مؤامرة، اعتلى العرش من بعده مراد الخامس شقيق عبد الحميد، ولكنه لم يمكث على العرش سوى ثلاثة أشهر، حيث أنزله وزراؤه لإصابته باختلال عقلي.

وفي 31 أغسطس عام 1876، تولَّى السلطان عبدالحميد الثاني العرش مع اقتراب حرب عثمانية روسية جديدة، وظروف دولية معقدة، واضطرابات في بعض أجزاء الدولة، خاصة في البلقان.

فترة حكمه

بعد مرور عام على توليه الخلافة، أجبر السلطان على خوض كبرى حروب الدولة العثمانية مع روسيا، والتي مُني فيها العثمانيون بهزيمة كبيرة، واقترب الروس من إسطنبول لولا تكتل الدول الأوروبية ضد روسيا، وحضور الأسطول الإنجليزي إلى ميناء إسطنبول، وأُمليت على العثمانيين معاهدتي صلح هما: آيا ستافانوس، وبرلين، خسرت الدولة إثرهما بعض أراضيها، وفُرضت عليها غرامات باهظة، وهُجّر مليون مسلم بلغاري إلى إسطنبول.

حكم السلطان حكماً فردياً من مقر إقامته في قصر يلدز، وربط جميع مؤسسات الإمبراطورية بشخصه، غير أنه لم يستعمل القوة القسرية في حكمه، حيث لم يتدخل الجيش في الشئون الداخلية، وإن اعتمد السلطان على تحريات الأمن التي قامت بالعديد من التجاوزات.

وكان بعيداً  عن سفك الدماء أو أسلوب الاغتيالات وتصفية معارضيه، ولا يلجأ إلى عقوبة السجن إلا في القليل، ثم يغيرها بالنفي. ولم يصدّق خلال سلطته الطويلة إلا على خمس عقوبات إعدام فقط.

كان عبد الحميد الثاني يرى ضرورة العمل على توحيد القوى الإسلامية لمجابهة الروح الاستعمارية الطامعة في الدولة العثمانية؛ لذلك سعى إلى طرح شعار الجامعة الإسلامية، وجعلها سياسة عليا لدولة الخلافة، فعمل على تدعيم أواصر الأخوة بين مسلمي الصين والهند وإفريقيا، ورأى في ذلك الشعار وسيلة لتوحيد الصفوف حوله وحول دولته في الداخل والخارج.

رفضه إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين

من بين السياسات التي تبناها واشتهر بها السلطان عبد الحميد هو رفضه إسكان وتوطين المهاجرين اليهود في فلسطين، وقد اختصر موقفه في قوله "إني لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من الأرض، فهي ليست ملك يميني، بل ملك الأمة الإسلامية التي جاهدت في سبيلها وروتها بدمائها، فليحتفظ اليهود بملايينهم، وإذا مزقت دولة الخلافة يوماً فإنهم يستطيعون آنذاك أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن، أما وأنا حيّ، فإن عمل المبضع في بدني لأهون علي من أن أرى فلسطين قد بترت من الدولة الإسلامية، وهذا أمر لا يكون. إني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة".

وكان موقفه الحازم سبباً رئيساً في تأخير مشروع الصهيونية العالمية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين؛ لذلك سعى اليهود للإيقاع بالسلطان وتشويه صورته أثناء حكمه، وكذلك في التاريخ.

أبرز الإصلاحات والإنجازات

شهدت الدولة العثمانية في عهد السلطان عبدالحميد الثاني إصلاحات داخلية على نطاق واسع، شملت شتى مجالات الحياة، والتي من أبرزها تحديث طرق المواصلات البرية والبحرية، وتوسيع شبكة الخطوط الحديدية، ومن بين أهم انجازاته في هذا القطاع، إنشاؤه خط سكة حديد الحجاز الذي يربط بين دمشق في الشام والمدينة المنورة في الحجاز، وسكة حديد بغداد وسكة حديد الروملي.

واهتم السلطان عبدالحميد الثاني بتحديث الصناعة وتنشيط التجارة والنهوض بالزراعة، وافتتح غرفاً صناعية وتجارية وزراعية واستطاع تخفيض ديون الدولة، وكان حريصًا طوال عهده على عدم الاستدانة من الخارج إلا في أضيق الحدود.

وقد طالت إصلاحاته الحياة الاجتماعية، فبنى مستشفى الأطفال وداراً للعجزة في مدينة إسطنبول، وافتتح مركز البريد العام ودار النفوس العامة، وجرى توسيع معمل الطرابيش، وقام بمد أنابيب المياه "مياه الحميدية".

اهتم عبدالحميد الثاني بالجانب العسكري كثيراً، وحرص على توطيد العلاقات مع ألمانيا للنهوض فيه، فاستقدم جنرالات ألمان لتدريب الجيش العثماني، وأرسل بعثات عسكرية، وجلب الأسلحة من هناك.

وفيما يتعلق بالقضاء، أعاد تنظيم وزارة العدل، فأصبحت تشرف على القضاء المدني والقضاء الجنائي، وظلت المحاكم الشرعية تابعة لشيخ الإسلام، ووضع برنامجاً للإصلاح القضائي، وأنشأ محكمة التمييز، والمحاكم النظامية والتجارية، كما افتتح مدرسة "الحقوق السُلطانية".

وشهد قطاع التعليم قفزة كبيرة، أنشأ المدارس المتوسطة والعليا والمعاهد الفنية، والمدرسة السلطانية للشؤون المالية، ومدرسة الحقوق، ومدرسة الفنون الجميلة، ومدرسة التجارة، ومدرسة الهندسة المدنية، ومدرسة الطب البيطري، ومدرسة الشرطة، ومدرسة الجمارك، ومدرسة الزراعة، ومدرسة التجارة البحرية، ومدرسة اللغات، ومدرسة الأحراج والمعادن، ومدرسة المعوقين، ومدرسة الفنون النسوية ودور المعلمين ، فضلاً عن المتاحف والمكتبات.

عزله ووفاته

رأى الاتحاديون ضرورة التخلص من السلطان عبد الحميد وإسقاط حكمه، واتفقت هذه الرغبة مع رغبة الدول الأوروبية الكبرى خاصة بريطانيا التي رأت في ذلك تمزيقاً للإمبراطورية العثمانية، وشعر اليهود والأرمن أنهم اقتربوا كثيرًا من أهدافهم؛ وانضمت إليهم بعض العصابات البلغارية والصربية، فكانت أحداث 31 مارت، في 13 إبريل 1909، التي انتهت بعزل السلطان عبدالحميد الثاني.

ووجه المتآمرون الثائرون إلى السلطان تهماً عديدة، من بينها وقوفه وراء أحداث 31 مارت، وإحراقه المصاحف، وتحريض المسلمين على قتال بعضهم بعضًا، فأعلنوا عزله.

تنازل السلطان عبد الحميد الثاني عن العرش لأخيه محمد رشاد في 27 إبريل 1909م، وتم نفيه و 38 شخصاً من حاشيته إلى سلانيك بطريقة مهينة ليقيم في المدينة ذات الطابع اليهودي في قصر يمتلكه يهودي بعدما صودرت كل أملاكه وأمواله.

وقضى هناك سنوات مفجعة تحت رقابة شديدة جدًا، حتى انلاع حرب البلقان الأولى، إذ تقرر نقله إلى إسطنبول واستقر في قصر بكلربكي حتى وفاته 10 فبراير 1918م.


اقرأ أيضاً| كيف يرى الغرب كمال أتاتورك ؟ 


 

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com