المنافسة التركية الإماراتية في الصومال تصل ذروتها

المنافسة التركية الإماراتية في الصومال تصل ذروتها

نيو ترك بوست -

يتوسع نطاق المنافسة التركية الإماراتية في الصومال من الأمن والسياسة إلى الاقتصاد والتجارة، ففي حين تدير شركة البيرق التركية ميناء مقديشو، وقدمت الشركات التركية عطاءاتٍ للقيام بنفس الشيء في مدينة كيسمايو على الساحل الجنوبي، فإن شركة "إس كيه إيه" الإماراتية للطيران والخدمات اللوجستية تدير مطار مقديشو، في حين تنافس الشركات الإماراتية على عقود تطوير الميناء والمطار في كيسمايو، وستدير مواني دبي بالفعل كل من ميناء بربرة وميناء بوصاصو بعقود طويلة الأجل تم توقيعها مؤخرًا على الرغم من اعتراض الحكومة الفيدرالية.

بالنظر إلى المعالم المميزة للسياسة الخارجية التركية منذ صعود أردوغان وحزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2002، لم تكن المغامرة التركية في الصومال المهمش خطوة تدعو للاستغراب. فعلى مدار أكثر من عقد كامل، استثمرت(3) الدولة التركية في بناء صورتها كـ «وسيط إنساني» في الأزمات الدولية والمناطق المنكوبة. وسرعان ما تحولت هذه الرؤية من مجرد خطة براغماتية إلى ما يشبه عقيدة سياسية للأتراك. ففي (أبريل/نيسان) 2012، وبعد بضعة أشهر فقط من زيارة أردوغان لمقديشيو، كان الرئيس التركي "عبد الله جول" يتحدث أمام جمهور من الضباط في الأكاديمية العسكرية بإسطنبول حول مبدأ الدفاع الجديد التركي المسمى بـ «القوة الفاضلة» ملخصًا بقوله: «قوة فاضلة ذات عقيدة قوية تحاكم جميع خطواتها إلى مبادئ الكرامة الإنسانية والسعادة».


إقرأ أيضا/ هكذا ردت تركيا على اتهامات وزير خارجية الإمارات بن زايد


مع امتلاكها لأطول ساحل في أفريقيا، وموقعها في مركز الطرق التجارية الرئيسة، ومع احتياطات نفطية متوقعة في إطار عشرة مليارات برميل في مقاطعة "بونتلاند" في الشمال الشرقي، ومع العديد من الفرص الاستثمارية المتوقعة في قطاعات البنية التحتية المتهالكة، ومع وجود روابط دينية وتاريخية بين تركيا والصومال منذ دخول العثمانيين لمقديشيو في القرن السادس عشر للدفاع عنها ضد الطموحات الإمبراطورية البرتغالية، كان الصومال مكانًا مثاليًا لتركيا، الطامحة للعب دور مؤثر على الطاولة الدولية في عصر الربيع العربي، لممارسة عقيدة "القوة الفاضلة" كما تسميها أنقرة، وأيضًا لمواصلة إستراتيجيتها الأوسع نطاقًا لاختراق الأسواق الناشئة في أفريقيا وتحقيق النفوذ بين حكوماتها، حيث سعت تركيا منذ مطلع الألفية لبناء علاقات صداقة مع الدول الأفريقية، وأطقلت على عام 2005 في تركيا "عام أفريقيا". وفي وقت لاحق كان بمقدور أنقرة الاعتماد على دعم أصدقائها الأفارقة للحصول على مقعد مؤقت في مجلس الأمن عام 2009، وهو مقعد حسمته تركيا بعد أن حصدت أصوات جميع البلدان الأفريقية باستثناء بلد واحد.

ورغم أن تركيا تمتلك اليوم أكبر سفارة أجنبية رسمية في مقديشيو، فقد تولت الجمعيات الخيرية والمنظمات غير الحكومية إدارة الجزء الأكبر من الجهود التركية بالصومال، بمشاركة ودعم من الجهات الحكومية. وتدير وزارة الصحة التركية، بالتنسيق مع الوكالة التركية للتعاون الدولي والتنمية "تيكا"، أكبر مجمع للمستشفيات في الصومال، كما قامت مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية ببناء أكبر دار للأيتام في أفريقيا بمقديشيو، تتسع لـ 1500 طفل وباستثمار بلغ 2.5 مليون دولار. وفي عام 2012 أصبحت(4) الخطوط الجوية التركية الناقل الأول والوحيد المسير لرحلات منتظمة للعاصمة الصومالية خلال أكثر من 20 عامًا. وقبل استئناف خدماتها الجوية لمقديشيو، قامت الحكومة التركية بتأمين مطار العاصمة وتركيب معدات لمراقبة الحركة الجوية. وعلى خلاف المغتربين الآخرين، آثر معظم الأتراك المقيمين في مقديشيو العيش بين الشعب الصومالي، وليس في مجمعات آمنة مسورة، ما أسهم في إكسابهم ثقة كبيرة من قبل الصوماليين

بيد أن سياسة "القوة الخيِّرة" التركية لم تقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية والاقتصادية فحسب، بل امتدت بشكل تقليدي لمحاولات لعب دور سياسي متوافق مع صورة "القوة الفاضلة". ففي عام 2010، وقبل أشهر من زيارة أردوغان الفاصلة التي وقع خلالها 49 اتفاقًا مختلفًا مع الصومال، استضافت(5) إسطنبول مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالصومال، والمثمر عن "إعلان إسطنبول" كخارطة طريق لحل الصراع الصومالي، وأدى ذلك لكتابة دستور الصومال وانتخاب برلمان انتخب بدوره "حسن الشيخ محمود" كأول رئيس غير انتقالي للصومال منذ عام 1991. كما قامت تركيا في عام 2011 بعقد اجتماع طارئ على المستوى الوزاري للجنة التنفيذية لمنظمة التعاون الإسلامي في إسطنبول لمناقشة الوضع الإنساني المتدهور في الصومال، قبل أن تستضيف مؤتمر إسطنبول الثاني في عام 2012 تحت شعار "إعداد مستقبل الصومال: أهداف عام 2015".

قادت تركيا أيضٍا دفة المحادثات بين حكومتي الصومال وصوماليلاند، وهي جمهورية انفصالية غير معترف بها دوليًا شمال الصومال، للتوصل لاتفاق حول قضايا مثل الأمن والقرصنة والصيد غير القانوني. كما قدمت تركيا 8.84 مليون دولار لإعادة هيكلة الجيش الصومالي وقوة الشرطة، وتدريب الصوماليين في أكاديميات عسكرية في تركيا، ولكن الوجه الناعم لـ "القوة الخيرة" تطلب من تركيا النأي بنفسها عن أي تواجد عسكري مباشر على الأراضي الصومالية من أجل تفادي مداعبة هواجس الصوماليين حول القوى الاستعمارية، ولتمييز نفسها عن السياسات الاستغلالية للقوى الأجنبية التقليدية العاملة في أفريقيا. وحتى حين وقعت تركيا عقدًا لبناء مرفأ تدريب عسكري في الصومال عام 2014، فإن كلا الدولتين حرصتا على الامتناع عن تسمية المرفق التركي الجديد على أنه "قاعدة عسكرية"، مفضلين وصفه على أنه "أكاديمية عسكرية تركية تهدف إلى تركيز الجهود التركية لتدريب القوات الصومالية".

ترتبط الإمارات بدورها بالصومال بعلاقات يعود تاريخها لأواخر الستينيات، قبيل الاستقلال الرسمي للدولة الإماراتية، حيث كان البلدان معًا ضمن مصاف الدول المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي عام 1969. وفي أعقاب الحرب الأهلية الصومالية مطلع التسعينيات، حافظت الإمارات على علاقاتها مع الحكومات الانتقالية الصومالية، وعززت هذه العلاقات من خلال نشاطها في مجال المساعدات الإنسانية، وإن ظلت أقل حضورًا على المستوى الدبلوماسي، حيث كانت المصالح الإماراتية بالصومال مرتكزة على ضمان المرور الآمن لسفن النفط على سواحل القرن الأفريقي وفي مضيق باب المندب، ومواجهة عمليات القرصنة البحرية، إضافة لتعزيز السياسة التقليدية لمؤسس البلاد الشيخ "زايد آل نهيان"، العامد وقتها لبناء سمعة حسنة لبلاده، بالعالم الإسلامي على وجه الخصوص، من خلال المساعدات الإنسانية.

حرصت الإمارات على الحفاظ على علاقات مستقرة مع الحكومات الصومالية المتعاقبة، وواصلت ممارسة سياسة "دبلوماسية المساعدات" ممثلة للسمة الأبرز للعلاقات بين البلدين. وبلغ(8) إجمالي المساعدات الإنسانية الإماراتية للصومال منذ بدء المجاعة حوالي 40 مليون دولار، تنوعت بين مساعدات تموينية وإغاثية تم تقديم معظمها من خلال الهلال الأحمر الإماراتي ومؤسسة "خليفة بن زايد". وقبل ذلك، شاركت الإمارات في تدشين مجموعة متنوعة من المشاريع الصحية والإسكانية والتعليمية بالصومال، حيث تدير مؤسستا "الريان" و"أبجد" الإماراتيتان ما لا يقل عن سبع مدارس هناك بقوة خمسة آلاف طالب على الأقل. ومن ناحية أخرى تعتبر(9) الإمارات شريك الصومال التجاري الأول بنسبة 44% من الواردات الصومالية معظمها من المنتجات البترولية، كما تعد الجالية الصومالية إحدى أكبر الجاليات الأجنبية المقيمة بالإمارات، بتعداد يبلغ حوالي مائة ألف صومالي يحولون ما يقرب من 1.5 مليار دولار سنويًا.

ولكن مصلحة الإمارات في مواجهة موجات القرصنة بخليج عدن، خاصة في ظل ضعف سيطرة الحكومات الصومالية المتعاقبة، قد صبغ دبلوماسية التنمية الإماراتية بمسحة أمنية عسكرية في أوقات كثيرة. على سبيل المثال، أهدت أبو ظبي الصومال في الثمانينيات مجموعة من المعدات العسكرية، من بينها 12 مروحية حربية بريطانية الصنع، قبل أن تتوسع العلاقات الأمنية في الأعوام الأخيرة وصولًا لتوقيع البلدين مذكرة تفاهم للتعاون في المجال العسكري عام 2014، قامت الإمارات بموجبها بالمشاركة في تدريب قوات الحرس الرئاسي الصومالي في معسكرات بها قبيل إعادتهم.

وفي أعقاب التدخل العسكري السعودي الإماراتي في اليمن، وتزايد الأصول العسكرية الإماراتية في القرن الأفريقي، وسعت الإمارات شراكتها العسكرية مع الصومال، في البداية عبر توسيع برنامج التدريب ليشمل وحدة مكافحة الإرهاب وجهاز الأمن والمخابرات، قبل أن تؤسس أبو ظبي مركز تدريب خاص للقوات الصومالية في مقديشيو، وتتوسع بشكل ملحوظ في تسليح المقاطعات الصومالية، فقامت مثلًا بتسليح مقاطعة "كيسمايو" بمركبات مقاومة للألغام وناقلات جند مدرعة ودراجات نارية لشرطتها المحلية، كما قامت بتسليح الشرطة البحرية في "بونتلاند" بمروحيات وطائرات هليكوبتر لمكافحة عمليات القرصنة، فضلًا عن تعهدها بدفع رواتب قوات الأمن الصومالية لمدة أربع سنوات.

ومع مرور الوقت أصبح من الواضح أن الإمارات تحول أصولها في منطقة القرن الأفريقي من قوة ناعمة لقوة صلبة، بعد أن تولت إدارة الأمور في عدن بعد مشاركتها في حرب اليمن، قبل أن تتخذ خطوة أكبر نحو عسكرة وجودها في القرن الأفريقي، عبر تأسيس(10) أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها في ميناء "عصب" على سواحل إريتريا أواخر عام 2016. ولم تكن الأمور تتطلب سوى المزيد من الوقت لتوسع الإمارات تواجدها العسكري في الصومال بشكل أكبر، بعد أن وقعت شركة مواني دبي العالمية اتفاقًا مع مقاطعة صوماليلاند، تدير بموجبه الشركة الميناء لمدة 30 عامًا مقابل 442 مليون دولار، قبل أن يتم توقيع اتفاق جديد يسمح بإقامة قاعدة عسكرية في الميناء.

كان من الطبيعي أن يثير الاتفاق بين الإمارات والمقاطعة الشمالية اعتراضات(11) الحكومة الفيدرالية في مقديشيو بقيادة الرئيس المنتخب حديثًا فرماجو، بسبب قيام أبو ظبي بالتوقيع على اتفاق أحادي الجانب مع مقاطعة انفصالية دون الرجوع للحكومة الفيدرالية، خاصة مع ورود تقارير(12) تشير أن أبو ظبي قامت بدفع رشاوي ضخمة للسياسيين والوجهاء في أرض الصومال من أجل تمرير الاتفاق المثير للجدل، بهدف تحويل الميناء لقاعدة لدعم وجودها في منطقة القرن الأفريقي. بيد أن الاتفاق الإماراتي الجديد لم يثر فقط مخاوف الحكومة الجديدة في الصومال ولكنه استفز أنقرة أيضًا، وكان من الواضح أن التعزيز العسكري الإماراتي في الصومال يأتي بشكل رئيس في مواجهة الحضور المتنامي لتركيا في البلاد، حضور صارت أبو ظبي تنظر إليه كتهديد لمصالحها المتوسعة في المنطقة، ولخطتها البحرية الهادفة لإحكام السيطرة على مضيق باب المندب وموانئ القرن الأفريقي.

 

 

 

لتصلك الاخبار أولاً بأول انضم الى قناتنا على التيلغرام عن طريق الضغط على الرابط التالي:

http://bit.ly/2ReT4xY

شاركنا رأيك

 
 
FreeCurrencyRates.com