الغاز الروسي لأوروبا يهبط 44%.. وترك ستريم يصبح المسار الأبرز
شهدت سوق الطاقة الأوروبية تحوّلًا لافتًا مع هبوط صادرات الغاز الروسي إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب بنسبة 44% خلال عام 2025، لتصل إلى أدنى مستوى منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، في نتيجة تعكس تغيّرًا هيكليًا في خريطة الإمدادات بعد سنوات من التوترات الجيوسياسية وتبدّل سياسات الطاقة في القارة.
وبحسب البيانات المتداولة ضمن تقديرات السوق، تراجعت الكميات المنقولة إلى أوروبا عبر الأنابيب إلى نحو 18 مليار متر مكعب خلال 2025، بعدما كانت صادرات الأنابيب الروسية إلى أوروبا تتجاوز 175–180 مليار متر مكعب سنويًا في 2018 و2019، ما يوضح حجم الانكماش الذي حدث خلال سنوات قليلة.
لماذا حدث التراجع بهذه الحدة؟
يرتبط الانخفاض الحاد بعاملين رئيسيين:
انتهاء اتفاق عبور الغاز عبر أوكرانيا وعدم تجديده، وهو مسار كان يمثل شريانًا محوريًا للغاز الروسي إلى أوروبا لسنوات طويلة.
تسارع سياسة أوروبا لتقليص الاعتماد على الطاقة الروسية، ضمن توجه معلن لخفض الواردات تدريجيًا وصولًا إلى إنهائها خلال السنوات المقبلة.
“ترك ستريم”.. لماذا أصبحت تركيا في قلب المعادلة؟
مع خروج مسار أوكرانيا من المشهد، برز خط TurkStream تحت البحر الأسود كأحد المسارات الرئيسية المتبقية لنقل الغاز الروسي إلى أجزاء من أوروبا، إلى جانب دوره في تزويد تركيا.
وتشير التقديرات إلى أن تدفقات “ترك ستريم” المتجهة لأوروبا ارتفعت بنحو 7% مقارنة بعام 2024، إلا أن الزيادة لم تعوّض فعليًا فقدان مسار أوكرانيا، ما يعني أن أوروبا دخلت مرحلة “إمدادات أقل عبر الأنابيب” حتى مع استمرار استيراد الغاز المسال من مصادر مختلفة.
ما انعكاس ذلك على تركيا والمقيمين فيها؟
هذا التطور لا يهم أوروبا وحدها، بل يحمل دلالات مباشرة لتركيا على ثلاثة مستويات:
1) أمن الطاقة ودور تركيا كمعبر إقليمي
تعاظم وزن “ترك ستريم” يعزز موقع تركيا ضمن معادلة عبور الطاقة في المنطقة، وهو ما ينعكس على أجندة أنقرة في ملفات البنية التحتية للطاقة والتفاوض الإقليمي.
2) الأسعار والفواتير.. تأثير غير مباشر لكنه مهم
عندما تتغير أحجام الإمدادات عبر الأنابيب، تتبدل ديناميكيات السوق الأوروبية، وهو ما قد ينعكس على تقلبات الأسعار، خاصة في فترات الذروة الشتوية أو عند حدوث اضطرابات لوجستية. وعلى المدى المتوسط، قد يؤثر ذلك على توجهات شراء الغاز وأسعار العقود والطاقة في المنطقة الأوسع.
3) الشركات والصناعة
قطاع الصناعة في تركيا—خصوصًا الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة—يتأثر بحساسية أسعار الغاز والكهرباء. لذا فإن أي موجات تقلب كبيرة في السوق الأوروبية قد تنعكس على تكلفة الإنتاج، ومن ثم على بعض الأسعار في السوق المحلي.
هل يعني ذلك عودة نفوذ الغاز الروسي في أوروبا؟
المؤشرات العامة لا تتحدث عن “عودة” بقدر ما تشير إلى تحول هيكلي:
الأنابيب الروسية إلى أوروبا باتت أقل بكثير مما كانت عليه.
أوروبا تسعى لتنويع المصادر وزيادة الغاز المسال وتوسيع البدائل.
وفي المقابل، تستمر روسيا في الحفاظ على مسارات محدودة عبر “ترك ستريم” مع بقاء الغاز المسال عنصرًا حاضرًا في السوق الأوروبية.
وبين هذه المسارات المتداخلة، تظل سنة 2026 مرشحة لمزيد من إعادة التموضع في سوق الطاقة، خصوصًا مع استمرار التوازنات السياسية وتغير سياسات الاستيراد الأوروبية.