تركيا تعزز دورها الإقليمي وتوسع التعاون الدولي
في خطوة اقتصادية مهمة تصبّ في مصلحة الثقة الدولية بمسار الاقتصاد التركي، أعلنت وكالة التصنيف الائتماني Fitch Ratings (فيتش) عن ترقية النظرة المستقبلية لتركيا من “مستقرة” إلى “إيجابية” دون تغيير التصنيف الأساسي للدولة، وذلك مع زيادة الاحتياطيات الأجنبية وتعزيز السياسات الاقتصادية، في مؤشر على تحسّن مؤشرات الدولة الاقتصادية وجاذبيتها للاستثمار.
ما الذي تغيّر في تقييم فيتش؟
أفادت وكالة فيتش في تقريرها الصادر يوم 23 يناير 2026 بأنها قررت رفع النظرة المستقبلية (Outlook) لتركيا إلى “إيجابية” بعد أن كانت سابقًا “مستقرة”، بينما أبقت التصنيف الائتماني طويل الأجل بالعملة الأجنبية عند BB‑، وهو تصنيف دون الفئة الاستثمارية ولكنه يعكس انخفاض المخاطر الخارجية بشكل ملموس مقارنة بالأعوام الماضية.
وقالت الوكالة إن تحسن الاحتياطيات الأجنبية التركية هو السبب الرئيسي وراء هذه الخطوة، حيث بلغت الاحتياطيات الإجمالية نحو 205 مليار دولار في منتصف يناير 2026، مقارنة بـ 155 مليار دولار في نهاية عام 2024، بينما عادت الاحتياطيات الصافية (باستبعاد عمليات المبادلة) لتسجل حوالي 78 مليار دولار بعد أن كانت سلبية في 2024. ما يعكس انخفاضًا كبيرًا في نقاط الضعف الخارجية.
كما أشارت فيتش إلى أن انخفاض معدل الدولار في الاقتصاد (التخلّي عن الاعتماد المفرط على الدولار)، وتدفّق رؤوس الأموال إلى الداخل، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الذهب التي تضيف قيمة إضافية للاحتياطيات، كلها عوامل أدّت إلى تقليل المخاطر الخارجية وتعزيز قدرة تركيا على مواجهة التحديات الاقتصادية.
لماذا هذا التقييم مهم؟
رفع النظرة المستقبلية لوضع الائتمان الوطني — حتى دون تغيير التصنيف نفسه — يعد إشارة إيجابية قوية من الأسواق العالمية والمستثمرين، لأنه يعني أن الوكالة ترى أن هناك تحسنًا مستدامًا في البيانات الاقتصادية الأساسية، وقد يؤدي ذلك إلى ترقية التصنيف نفسه في المستقبل مشروطًا باستمرار سياسات الاستقرار الاقتصادي.
وكانت فيتش قد رفعت تقييمها لتركيا تدريجيًا خلال السنوات الماضية، بعد سلسلة من التعديلات التي بدأت منذ 2024 مع تحسن الاحتياطيات والاستقرار النسبي في سياسات الاقتصاد الكلي. وتشير التحليلات إلى أن هذه النظرة الإيجابية لم تكن متوقعة قبل فترة قصيرة، مما يعكس تقدم تركيا في مجال تحسين المتغيرات المالية.
ماذا تقول فيتش عن المخاطر؟
وعلى الرغم من النظرة الإيجابية، أشارت فيتش إلى بعض المخاطر الاقتصادية والسياسية التي لا تزال قائمة، من أهمها:
ارتفاع تكلفة خدمة الدين الخارجي والداخلي، ما قد يضغط على مالية الدولة في حال عدم استمرار النمو الاقتصادي القوي.
معدلات التضخم المرتفعة التي لا تزال أعلى بكثير من المتوسط العالمي للدول التي تحمل نفس التصنيف، رغم التحسن النسبي.
ضرورة استمرار السياسات النقدية الانضباطية لضمان بقاء التضخم في مساره التنازلي.
وبالفعل، يرى بعض خبراء الاقتصاد أن إيجابية النظرة لا تعني إزالة كل المخاطر، لكنها تعكس تحسنًا ملموسًا مقارنةً بالأعوام السابقة لتركيا، وأن البنوك والمؤسسات المالية ستراقب عن كثب تنفيذ السياسات الاقتصادية خلال الأشهر القادمة.
ماذا يعني ذلك للاقتصاد والاستثمار؟
تجدر الإشارة إلى أن النظرة المستقبلية الإيجابية يمكن أن تكون لها تأثيرات واسعة على الأسواق والاستثمار في تركيا:
جذب استثمارات أجنبية أكبر، حيث يُنظر إلى الاستقرار الائتماني كعامل أساسي في اتخاذ قرارات الاستثمار طويل الأجل.
تحسن في أسعار السندات التركية في الأسواق العالمية، وهو ما يزيد من قدرة الحكومة على الاقتراض بتكلفة أقل نسبيًا.
رفع ثقة المستثمرين المحليين بقدرة تركيا على إدارة الأزمات الاقتصادية وتخفيف حدتها.
كما أن الوزير محمد شيمشك (Mehmet Şimşek) وزير الخزانة والمالية التركي رحّب بهذه الخطوة، معتبرًا أن الترَقية تعكس القوة المستقبلية للتوقعات الاقتصادية التركية وأن تركيا باتت تخطو خطوات واثقة نحو استقرار اقتصادي أطول أمداً من خلال تنفيذ الإصلاحات المالية والسياسات النقدية الانضباطية.
شيمشك أشار في منشور له على وسائل التواصل أن هذا التحول في النظرة الائتمانية هو أحد ثلاثة عوامل أدّت إلى تقوية الاستقرار المالي الكلي في تركيا، بجانب استكمال إلغاء مخاطر مرتبطة بحماية الودائع والقيام بخطوات حاسمة لإدارة دخول رؤوس الأموال الساخنة.
التحليل والتوقعات الدولية
يرى العديد من خبراء الأسواق العالمية أن هذه الترَقية من وكالة فيتش تأتي في وقت دقيق عالميًا، خاصة مع تدفقات الاستثمار التي تبحث عن عوائد أعلى في ظل بيئة أسعار فائدة عالمية متقلبة. ويقول بعض المحللين إن الاقتصاد التركي — رغم ما يواجهه من تحديات — يُظهر مرونة أكبر من الكثير من اقتصادات الأسواق الناشئة، خصوصًا أن سعر العملة أصبح أكثر استقرارًا، وتحسنت التدفقات المالية إلى الداخل.
كما تُعد النظرة الإيجابية مؤشرًا للوكالات الأخرى لمراقبة أداء تركيا ومستويات المخاطر المستقبلية، ما قد يدفع وكالات تصنيف أخرى مثل Moody’s أو S&P Global إلى إعادة تقييم تصنيفاتها أيضًا إذا استمرت المؤشرات الاقتصادية في التحسن.
خاتمة
في المجمل، تُعد ترقية المنظور الائتماني لتركيا من “مستقر” إلى “إيجابي” خطوة تُظهر أن الاقتصاد التركي بدأ يتعافى تدريجيًا من ضغوط السنوات الماضية، مع تعزيز الاحتياطيات الأجنبية وتقليل المخاطر الخارجية، مما يعزز الثقة في أداء الحكومة وسياساتها الاقتصادية الحالية والمستقبلية.