تأخر إدراج لقاح HPV في تركيا يثير جدلًا صحيًا واسعًا

تأخر إدراج لقاح HPV في تركيا يثير جدلًا صحيًا واسعًا
تأخر إدراج لقاح HPV في تركيا يثير جدلًا صحيًا واسعًا

تأخر إدراج لقاح HPV في تركيا يثير جدلًا صحيًا واسعًا

عاد الجدل الصحي في تركيا إلى الواجهة مجددًا مع استمرار تأخر إدراج لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) ضمن البرنامج الوطني للتطعيمات، رغم التحذيرات الطبية المتواصلة والتوصيات الصادرة عن منظمات صحية دولية. ويُعد هذا الملف من أكثر القضايا الصحية حساسية، لارتباطه المباشر بالوقاية من سرطان عنق الرحم وأنواع أخرى من السرطانات المرتبطة بالفيروس.

حتى مطلع عام 2026، لا يزال لقاح HPV غير مشمول ضمن جدول التطعيمات المجانية التي تقدمها وزارة الصحة التركية، ما يدفع المواطنين إلى الحصول عليه عبر القطاع الخاص بتكلفة مرتفعة، الأمر الذي يحد من انتشاره ويُكرّس فجوة صحية واضحة بين الفئات الاجتماعية.

ما هو فيروس HPV ولماذا يمثل خطرًا صحيًا؟

فيروس الورم الحليمي البشري هو عدوى فيروسية شائعة عالميًا، تنتقل غالبًا عبر الاتصال الجنسي. وتشير الدراسات الطبية إلى أن معظم الأشخاص يُصابون بنوع واحد على الأقل من الفيروس خلال حياتهم، وغالبًا دون أعراض ظاهرة.

لكن الخطر الحقيقي يكمن في بعض السلالات عالية الخطورة من HPV، والتي تُعد السبب الرئيسي لسرطان عنق الرحم لدى النساء، إضافة إلى ارتباطها بسرطانات أخرى مثل سرطان الشرج والبلعوم وبعض أورام الجهاز التناسلي.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التطعيم ضد HPV في سن مبكرة يمثل أكثر وسائل الوقاية فعالية، حيث يمكنه تقليل معدلات الإصابة بسرطان عنق الرحم بنسبة كبيرة تصل إلى أكثر من 90% في بعض الدول التي اعتمدت برامج تطعيم وطنية مبكرة.

الوضع الحالي في تركيا: وعود دون تطبيق

رغم الاعتراف الرسمي بأهمية اللقاح، لم تقم تركيا حتى الآن بإدراجه ضمن برنامجها الوطني، على عكس عشرات الدول الأوروبية. وكانت وزارة الصحة التركية قد صرحت في أكثر من مناسبة خلال الأعوام الماضية بأنها تدرس إضافة اللقاح إلى جدول التطعيم، إلا أن هذه التصريحات لم تتحول إلى قرار تنفيذي واضح.

وفي تصريحات سابقة نقلتها وسائل إعلام تركية، أشار مسؤولون صحيون إلى أن وزارة الصحة تتابع التطورات العالمية والدراسات السريرية المتعلقة باللقاح، إلا أن غياب جدول زمني محدد للتنفيذ أبقى الملف معلقًا.

تكلفة اللقاح: عائق رئيسي أمام الانتشار

حاليًا، يتوفر لقاح HPV في تركيا عبر المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة فقط، ويتطلب الحصول عليه دفع تكلفة مالية قد تصل إلى آلاف الليرات التركية لسلسلة الجرعات الكاملة، وهو ما يجعل اللقاح خارج متناول شريحة واسعة من السكان.
ويرى خبراء صحة عامة أن إدراج اللقاح ضمن البرنامج الوطني لن يقلل فقط العبء المالي على الأفراد، بل سيسهم أيضًا في خفض تكاليف علاج السرطان على المدى الطويل، معتبرين أن الوقاية استثمار صحي واقتصادي في آن واحد.

مبادرات بلدية تعوض الغياب الحكومي جزئيًا

في ظل غياب السياسة الوطنية، بادرت بعض البلديات الكبرى، وعلى رأسها بلدية إسطنبول وبلدية أنقرة، بإطلاق برامج تطعيم مجانية أو مدعومة للفتيات والنساء، خاصة من ذوات الدخل المحدود.

ولاقت هذه المبادرات ترحيبًا واسعًا من المجتمع الطبي ومنظمات المجتمع المدني، لكنها ظلت محدودة النطاق وتعتمد على ميزانيات محلية، ما يجعل تأثيرها غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الوطنية.
أصوات طبية تحذّر
عدد من الأطباء وجمعيات الطب النسائي في تركيا حذروا من أن استمرار تأجيل إدراج اللقاح يعني تفويت فرصة وقائية حاسمة. 
وأكدوا أن سرطان عنق الرحم من أكثر السرطانات التي يمكن تجنبها عبر التطعيم والفحص المبكر.

وأشار مختصون إلى أن معظم الدول المتقدمة، وحتى بعض الدول النامية، سبقت تركيا في هذا الملف، ما يطرح تساؤلات حول أسباب التأخر رغم توفر اللقاح واعتماده عالميًا.

الموقف المجتمعي والوعي الصحي

على المستوى المجتمعي، لا يزال الوعي بأهمية لقاح HPV محدودًا نسبيًا، وهو ما يربطه خبراء الصحة بغياب حملات توعية وطنية شاملة. ويرى مختصون أن إدراج اللقاح ضمن البرنامج الرسمي سيُسهم تلقائيًا في زيادة الوعي المجتمعي وكسر الحواجز الثقافية المرتبطة به.

توصيات منظمة الصحة العالمية

منظمة الصحة العالمية توصي منذ سنوات بإدراج لقاح HPV ضمن البرامج الوطنية للتطعيم، خاصة للفتيات في سن 9–14 عامًا، قبل بدء النشاط الجنسي. وتشير المنظمة إلى أن القضاء على سرطان عنق الرحم بات هدفًا واقعيًا إذا ما تم تعميم التطعيم والفحوصات الدورية.

هل تتحرك الحكومة قريبًا؟

حتى الآن، لم تعلن وزارة الصحة التركية عن موعد رسمي لاعتماد اللقاح، لكن استمرار الضغط الطبي والإعلامي قد يدفع إلى اتخاذ قرار خلال الفترة المقبلة، خاصة مع تزايد المقارنات مع الدول الأوروبية المجاورة.
ويرى مراقبون أن إدراج لقاح HPV سيكون خطوة مهمة لتعزيز صورة النظام الصحي التركي، الذي يُعد من أكثر الأنظمة تطورًا في المنطقة، لكنه لا يزال متأخرًا نسبيًا في هذا الملف تحديدًا.

الخاتمة

يبقى ملف لقاح HPV في تركيا اختبارًا حقيقيًا لمدى التزام السياسات الصحية بالوقاية طويلة الأمد، وليس فقط بالعلاج. وبين وعود لم تُنفذ بعد وتحذيرات طبية متزايدة، يظل السؤال مطروحًا: متى يصبح اللقاح حقًا صحيًا متاحًا للجميع وليس خيارًا مدفوع الثمن لفئة محدودة؟

مشاركة على: