تركيا تسجل انخفاضا في معدل البطالة إلى أدنى مستوى منذ 25 عاما
مقدمة: تغيّرات في سوق العمل التركي
وسط تحولات اقتصادية واجتماعية مهمة تشهدها تركيا في السنوات الأخيرة، أعلنت الهيئة الإحصائية التركية (TurkStat) انخفاضًا ملحوظًا في معدَّل البطالة إلى 7.7٪ في ديسمبر 2025، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من 25 عامًا، وفق البيانات الرسمية الصادرة مؤخرًا.
ويسلِّط هذا الانخفاض الضوء على اتجاهات إيجابية في سوق العمل التركي، رغم التحديات الاقتصادية والضغوط في أسواق العمل العالمية. وقد أبقى هذا الانخفاض معدل البطالة ضمن خانة الرقم الفردي لأكثر من 32 شهرًا متواصلة، ما يُعد مؤشرًا مهمًا على تحسن فرص التوظيف في تركيا خلال الفترة الماضية.
ماذا تعني هذه النسبة؟
وفقًا لبيانات TurkStat، بلغ معدَّل البطالة في تركيا (المعدل المعدَّل حسب المواسم) 7.7٪ في ديسمبر 2025، بانخفاض قدره 0.8 نقطة مئوية مقارنة بشهر نوفمبر، الذي سجَّل حوالي 8.5٪.
وبحسب التعريف الرسمي، فإن معدل البطالة يشمل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 15 عامًا فأكثر، والذين لم يعملوا ولازموا بنشاط للبحث عن وظيفة في الأسابيع الأربعة السابقة، وكانوا جاهزين للعمل خلال الأسابيع التالية.
لماذا هذا الانخفاض مهم؟
وصف وزير العمل التركي الانخفاض بأنه “أدنى مستوى في 25 عامًا”، مشيرًا إلى أن استمرار البطالة ضمن خانة الرقم الفردي لأكثر من عامين يدل على تحسن تدريجي في أداء سوق العمل التركي، حتى في مواجهة تحديات اقتصادية مثل ارتفاع تكاليف المعيشة وتقلبات التضخم.
ويُعد تحقيق مثل هذا المعدل في البطالة خلال فترة ما بعد جائحة كورونا علامة على مرونة الاقتصاد التركي في امتصاص الصدمات، وقدرته على خلق وظائف جديدة في قطاعات متعددة.
الاختلاف بين تعريفات البطالة
تشير بيانات أخرى إلى أن هناك تعريفات مختلفة لسوق العمل تؤدي إلى نتائج متباينة:
المعدل الضيق الرسمي (7.7٪)
هذا التعريف يعتمد فقط على الأشخاص المقيَّدين رسميًا كعاطلين عن العمل ويبحثون بنشاط عن وظيفة.
المعدل الواسع (قرابة 28‑29٪)
بعض الجهات البحثية والاحصائية تشمل في حسابها الأشخاص الذين فقدوا الأمل في العمل، أو يعملون بدوام جزئي رغم رغبتهم في دوام كامل، أو لا يبحثون بنشاط، وقد وصل هذا المعدل إلى 28.6٪ تقريبًا حسب تقرير مؤشرات العمل الواسعة من TurkStat في ديسمبر 2025، ما يعكس حوالي 11.6 مليون شخص خارج سوق العمل النشط.
هذا التباين يشير إلى أن البيانات الرسمية قد تعكس جانبًا واحدًا من القوى العاملة، بينما تحاول المقاييس الأوسع تقديم صورة أكثر شمولاً لسوق العمل.
أسباب وتحليلات انخفاض البطالة
يُرجع محللون عدة عوامل وراء هذا التراجع في معدل البطالة، منها:
1. التوسع في سعة سوق العمل
مع زيادة فرص التوظيف في قطاعات مثل الخدمات، والتصنيع، والتجارة، ظهرت فرص أكثر للعمل مقارنة بالأعوام الماضية.
2. الإصلاحات الاقتصادية
السياسات الحكومية التي ركّزت على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتشجيع الاستثمار في البنية التحتية قد أسهمت في خلق وظائف جديدة وزيادة طلب العمالة المحلية.
3. زيادة مشاركة النساء في سوق العمل
على الرغم من أن نسبة التوظيف لدى النساء لا تزال أقل من الرجال، فإن المشاركة الاقتصادية للنساء شهدت ارتفاعًا تدريجيًا خلال السنوات الماضية، مما انعكس بشكل إيجابي على مؤشرات البطالة العامة.
تفاصيل أرقام القوى العاملة
بحسب أحدث بيانات، بلغ إجمالي عدد الأفراد العاملين في تركيا نحو 32.69 مليون شخص في ديسمبر 2025، مع نسبة مشاركة القوى العاملة حوالي 53.2٪، مما يشير إلى استمرار مشاركة نسبة جيدة من السكان في سوق العمل.
وحسب تقارير سابقة عن أرقام فصلية، انخفض معدل البطالة إلى 8.5٪ في الأشهر الأخيرة من 2025 قبل أن يصل إلى 7.7٪ في ديسمبر، ما يدل على استدامة الاتجاه التنازلي.
البطالة بين الشباب والنساء
ما زالت البطالة بين الفئات الخاصة مثل الشباب (15–24) والنساء تمثل تحديًا، رغم التحسن العام. فقد بلغ معدل بطالة الشباب مستويات أعلى من المعدل العام في بعض التقارير، ما يشير إلى ضرورة التركيز على برامج توظيف تستهدف هذه الفئات بشكل خاص.
كما لا تزال بطالة النساء أعلى مقارنة بالرجال، ما يستدعي سياسات دعم مخصّصة لتعزيز مشاركة النساء في سوق العمل وزيادة فرصهن في التوظيف.
ردود فعل الخبراء
يرى بعض الاقتصاديين أن انخفاض معدل البطالة يمكن أن يكون مؤشرًا إيجابيًا ولكنه لا يعكس الصورة الكاملة لسوق العمل في تركيا، وذلك بسبب التباين بين التعريفات الضيقة والواسعة للبطالة، بالإضافة إلى ارتفاع مشاركة العمالة غير الرسمية التي لا تظهر ضمن الإحصاءات الرسمية بالضرورة.
ويشير آخرون إلى أن الاقتصاد التركي بحاجة إلى زيادة التوظيف في الوظائف ذات الدخل الثابت وجودة العمل المرتفعة، وليس فقط خفض نسبة العاطلين.
آثار البطالة على الاقتصاد والمجتمع
تشير الدراسات إلى أن انخفاض البطالة يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي عبر زيادة الاستهلاك، وتحسين الدخل الأسري، وخفض الأعباء الاجتماعية على الدولة، مما يساهم في تعزيز الرفاه الاقتصادي للمواطنين.
لكن من جهة أخرى، يرى بعض المراقبين أن الاعتماد على تعريفات ضيقة للبطالة وعدم حساب العمالة غير الرسمية قد يُقلّل من فهم التحديات الحقيقية لسوق العمل، ما قد يستلزم تحسين الآليات الإحصائية.
مقارنة تاريخية لسوق العمل التركي
خلال العقد الماضي، شهدت تركيا عددًا من التقلبات في سوق العمل، حيث ارتفع معدل البطالة خلال فترات الركود الاقتصادي أو الأزمات العالمية، لكنه أيضًا انخفض عند استعادة النمو الاقتصادي وتحسن النشاط التجاري المحلي.
ووفق البيانات طويلة المدى، فإن معدل البطالة الرسمي في تركيا كان:
أعلى من 10٪ في منتصف العقد الماضي
تراجع تدريجيًا خلال سياسات التعافي الاقتصادي
وصل إلى 7.7٪ في نهاية 2025 — أدنى منذ 25 عامًا
وتُعد هذه الأرقام مؤشرًا على تحسّن تدريجي في توازن القوى العاملة مع استمرار التحديات