تركيا تشدّد قوانين الولادة غير اللازمة وتحدّ من عمليات القيصر
مقدمة — ضبط الولادة القيصرية غير اللازمة خطوة صحية كبرى
في خطوة تهدف إلى تحسين جودة الرعاية الصحية للأمهات وتقليل التدخلات الطبية غير الضرورية، أعلنت وزارة الصحة التركية عن إصدار تشريعات جديدة صارمة تنظم عمليات الولادة القيصرية في المرافق الصحية داخل تركيا، وتحدّ من الإجراءات غير المرتبطة بحالات طبية طارئة.
وتأتي هذه الإجراءات في سياق مبادرة وطنية للصحة الإنجابية ضمن خطة أكبر أطلقتها الحكومة تحت شعار “القرن الصحي التركي”، التي تهدف إلى خفض الاستخدام المفرط للتدخلات الجراحية في أثناء الولادة، وتعزيز الصحة الطبيعية للأم والطفل، مع تحسين مؤشرات الصحة العامة على مستوى البلاد.
لماذا هذا القرار؟
ترتكز الخلفية الصحية وراء القرار على ارتفاع غير مسبوق في معدلات الولادات القيصرية في تركيا خلال السنوات الماضية، حيث تجاوزت النسب كثيرًا المعدلات العالمية الموصى بها طبيًا.
ورغم أن الولادة القيصرية يمكن أن تكون إجراءً منقذًا للحياة عند توافر أسباب طبية واضحة، فإن الاستخدام غير الضروري لهذا الإجراء قد يرتّب مخاطر صحية على الأمهات مثل العدوى، النزف، مضاعفات الحمل اللاحق، ويزيد من التكلفة الاقتصادية للرعاية الصحية.
وقد أظهر التقرير الرسمي أن معدّلات الولادة القيصرية في تركيا كانت من بين الأعلى عالميًا في السنوات الأخيرة، ما استدعى الجهات الصحية إلى اتخاذ إجراءات تنظيمية لتقليل اللجوء إليها إلا عند الضرورة الطبية الملحة.
تفاصيل التشريعات الجديدة
تصدر التشريعات المنشورة في الجريدة الرسمية التركية عدة متطلبات إلزامية للمراكز الصحية، سواء الحكومية أو الخاصة، بشأن إجراء عمليات الولادة القيصرية:
استحداث وحدات الولادة المسجلة: يجب أن تتم جميع الولادات — خاصة القيصرية — في مرافق تمتلك وحدات ولادة مجهّزة بالكامل (غرف ولادة واسعة لا تقل عن 16 مترًا مربعًا، مع آليات خاصة للسلامة والطوارئ).
التصديق القانوني على مرافق الولادة: يُشترط أن تكون المنشآت الحاصلة على ترخيص تقوم بالتدخّل فقط في الحالات الطبية التي تبرّرها بروتوكولات واضحة، وفي حال عدم وجود سبب طبي ملح يتم رفض إجراء القيصرية.
الحد من عمليات الولادة غير الضرورية في العيادات الخاصة: تشدد التشريعات على أن المستشفيات الخاصة لا يمكنها إجراء إجراءات قيصرية إلا إذا كانت هناك توصية طبية مكتوبة من فريق طبي مؤهل يشهد بضرورة الإجراء.
السجلات الطبية الإلزامية: أصبح على كافة المرافق الصحية الاحتفاظ بسجلات موثقة إلكترونيًا تبيّن سبب كل عملية قيصرية، تفاديًا لسوء الاستخدام أو الإحصاءات المغلوطة حول نوعية الخدمات المقدّمة.
تعزيز الرقابة والتدقيق: تنص قواعد القانون الجديد على تكثيف التفتيش والمراجعة المهنية من قبل فرق مختصة تابعة لوزارة الصحة لضمان الالتزام بالمعايير، وتغريم المرافق التي تنتهك القواعد الصحية الجديدة.
الصحة الإنجابية وسياق السياسات الحكومية
تُعد هذه القوانين جزءًا من سياسات الصحة الإنجابية الهادفة إلى تعزيز الولادة الطبيعية، زيادة فعالية الرعاية الصحية للأمهات، وتقليل الضغوط على بنية الخدمات الطبية التركية.
وتأتي هذه الخطوة كذلك كاستجابة للتوصيات الدولية التي تؤكد أن الولادة القيصرية يجب أن تتم فقط حين تكون هناك مؤشرات طبية ذات مصداقية، وأن الاستخدام المفرط لها يمكن أن يعرّض الأم والطفل لمضاعفات قد تؤدي إلى مشكلات صحية مستقبلية.
كما تُعدّ هذه التشريعات امتدادًا لرؤية الحكومة التركية التي تسعى إلى دمج الصحة الإنجابية ضمن برامج الوقاية الصحية العامة، وتطوير أنظمة التوعية وتمكين الأمهات من خيارات أكثر أمانًا وصحةً لإنجاب أطفالهنّ.
ردود الفعل المهنية والطبية في تركيا
أشاد العديد من الأطباء والاتحادات الطبية في تركيا بهذه الخطوة، معتبرين إياها «تقدّمًا حقيقيًا في حماية الأم والطفل»، وأشاروا إلى أن الإجراءات التنظيمية ستحدّ من الممارسة الروتينية غير المبرّرة داخل بعض المرافق الخاصة.
لكن بعض التحديات أُثيرت من قبل بعض المجموعات المهنية أيضًا، حيث حذّروا من أن تطبيقًا غير دقيق لهذه القواعد قد يحدّ من حرية الأطباء في اتخاذ قرارات سريرية عندما تتداخل عوامل متعددة، ما يتطلب تدريبًا مكثّفًا وتطوير بروتوكولات دقيقة في كل مستشفى.
التأثير المتوقّع على الصحة العامة
من المتوقع أن تسهم هذه القوانين في:
انخفاض معدلات الولادة القيصرية غير الطبيّة
تعزيز الولادة الطبيعية وزيادة الوعي الصحي لدى الأمهات
خفض التكاليف غير الضرورية على نظام الرعاية الصحية
تحسين النتائج الصحية للأمهات والمواليد الجدد
رفع كفاءة الخدمات الطبية في تركيا
تعزيز الرقابة المهنية والتنظيم القانوني في القطاع الصحي
وتهدف هذه الإجراءات إلى ضمان أن تكون عمليات الولادة متاحة فقط حين تكون ضرورية طبيًا وبناءً على أسس تقييم موثوقة من فرق طبية متعددة التخصصات.
خطة توعية وتثقيف بجانب التشريعات
ليس التشريع وحده كافيًا؛ إذ صرّحت مصادر رسمية أن وزارة الصحة التركية تنوي إطلاق حملات توعية وطنية حول فوائد الولادة الطبيعية، وكيفية اتخاذ قرارات آمنة مدعّمة بالبيانات العلمية، إضافة إلى توفير تدريب إضافي لأطباء النسائية والتوليد حول المعايير الدولية للأمومة الصحية.
التحديات المستقبلية وآفاق التنفيذ
على الرغم من التأييد الكبير لهذه المبادرات، تبقى التحديات قائمة، حيث يحتاج المنظمون إلى:
تدريب الأطباء في كل المستشفيات على المعايير الجديدة
تحديث البنية التحتية لبعض منشآت الرعاية الصحية
ضمان قدرة الفرق الرقابية على تغطية كافة المناطق الجغرافية
التقييم المستمر للآثار السريرية والاجتماعية لهذه الإجراءات
وسيتم إجراء تقييم سنوي لمدى الاستجابة للتشريعات، وتعديل اللوائح بما يتناسب مع التحديات الصحية والتطورات العلمية المستجدة.