تركيا تواجه تحديات اقتصادية جديدة في 2026

تركيا تواجه تحديات اقتصادية جديدة في 2026
تركيا تواجه تحديات اقتصادية جديدة في 2026

تركيا تواجه تحديات اقتصادية جديدة في 2026

مقدمة — الاقتصاد التركي بين تباطؤ التضخم وأعباء الأسعار
بدأت تركيا عام 2026 وسط تحديات اقتصادية مركّبة، حيث أظهرت بيانات رسمية وآراء خبراء استمرار معدّل التضخّم السنوي في مستويات مرتفعة رغم تراجع تدريجي، بينما تواجه الصناعات المحلية ضغوطًا من تكاليف التمويل المرتفعة وارتفاع سعر السلع الأساسية مثل الغذاء والسكن. هذه التطورات تأتي في ظل سياسة نقدية تشديدية متواصلة من قبل البنك المركزي وحرص الحكومة على الحفاظ على انضباط مالي وسط تحوّلات اقتصادية عالمية.

التضخّم يتراجع… لكن يبقى مرتفعًا

نشرت بيانات رسمية حديثة أن التضخّم السنوي في تركيا بلغ نحو 30.9 % في نهاية عام 2025، وهو أدنى مستوى منذ عدة سنوات مقارنة بما كان عليه التضخّم في 2024 حين تجاوز 58 % في المتوسط السنوي، حسب بيانات وكالة الإحصاء التركية.

ورغم هذا التراجع التدريجي، تستمر معدلات التضخّم في البقاء أعلى بكثير من الأهداف المتوقعة، وهو ما دفع البنك المركزي في اجتماعات سابقة إلى رفع توقعات التضخّم لعام 2026 لتعكس الواقع الاقتصادي الراهن.

وبحسب بيانات رسمية لتركيا في يناير 2026، انخفض المعدل السنوي قليلًا إلى 30.7 % مقارنة بشهر ديسمبر، بينما سجل التضخّم الشهري ارتفاعًا في بعض القطاعات مثل الخدمات والسكن والغذاء، مما يدل على استمرار الضغوط على جيوب المستهلكين الأتراك.

ارتفاع أسعار الغذاء والإنفاق الأساسي

أظهرت إحصاءات أن أسعار الغذاء في تركيا ارتفعت بنحو 31.69 % على أساس سنوي في يناير 2026، وهو معدل يمثل فجوة واسعة مقارنة بدول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، ما يجعل تركيا في صدارة دول العالم من حيث تضخّم الغذاء.

وتعكس هذه الأرقام زيادة ضغط الأسعار على الأسر، التي تشهد ارتفاعات في تكاليف السلع الأساسية مثل اللحوم، الأرز، والزيوت، بينما تساهم الفروقات الكبيرة بين الأسعار في تركيا وأوروبا بزيادة العبء الاقتصادي على المواطنين.

ولعل أبرز القطاعات التي ساهمت في ارتفاع التضخّم الشهر الأخير كانت الخدمات الأساسية والسكن والمواصلات، ما يجعل السيطرة على التضخّم شاقة دون إصلاحات هيكلية أوسع في الاقتصاد. 
التضخّم الحقيقي مقابل الرسمي

في الوقت الذي تعلن فيه البيانات الرسمية عن معدلات التضخّم، تشير تقارير من مجموعة أبحاث مستقلة إلى أن التضخّم الفعلي قد يكون أعلى من الأرقام الرسمية، حيث تقدّر بعض الجهات الخاصة أن التضخّم الحقيقي قد يصل إلى نحو 50 – 53 % في بعض السلع الأساسية.


وتثير هذه الفجوة بين الأرقام الرسمية وتقديرات بعض الاقتصاديين نقاشات واسعة حول منهجية حساب التضخّم، ومدى تأثير تغييرات السلة الاستهلاكية للسلع على النتائج النهائية.

تكاليف التمويل والتصنيع
في تقرير تحليلي حديث، أشار اتحاد رجال الأعمال التابع لأحد المجموعات الاقتصادية الداعمة للحكومة التركية إلى أن ارتفاع تكاليف التمويل لدى المصانع والشركات التركية يشكّل خطرًا على القطاع الصناعي محليًا، وقد يعرّض بعض الصناعات لفقدان تنافسيتها أمام الأسواق الأجنبية ما لم تُعالج تلك التكاليف الهيكلية.

وترتبط هذه الزيادة في تكاليف التمويل بأبعاد السياسة النقدية المحلية، التي اعتمدت السياسات التشددية في الفترة السابقة بهدف كبح جماح التضخّم، ما أثّر بدوره على قدرة الشركات على الاقتراض بأسعار معقولة مقارنة بأسواق أخرى.

السياسة النقدية: مستويات الفائدة والصياغة الحكومية
يواصل البنك المركزي التركي تطبيق سياسة نقدية تشديدية مع الحفاظ على ما وصفه المسؤولون بـ“الانضباط المالي”، في محاولة للسيطرة على الضغوط التضخّمية بمرور الوقت.

في تصريحات أخيرة، أكد نائب الرئيس التركي أن البلاد ستواصل التزامها بسياسات نقدية صارمة مع السعي نحو خفض التضخّم بشكل أوسع خلال العام 2026، مع الحفاظ على استقرار سعر الصرف وتدفقات رؤوس الأموال في الأسواق المحلية.

وتزامن هذا الموقف مع رفع توقعات التضخّم رسميًا من قبل البنك المركزي، ما يعكس واقعية التعامل مع التحديات الاقتصادية وسط الظروف العالمية المعقدة، وكذلك توجه السلطة النقدية لتحقيق استقرار تدريجي للأسعار بدلاً من التنقل بين سياسات متناقضة.

تراجع أوضاع النمو الاقتصادي
رغم التحديات التضخّمية، تؤكد مصادر اقتصادية أن تركيا تتجه نحو نمو اقتصادي معتدل في الأعوام القادمة، بفضل تعديلات سياسية واعتماد مزيج من السياسات النقدية والتجارية. تقارير تقدّر نمو الاقتصاد التركي بنحو 3.2 – 3.4 % في 2025 و2026، في حين يتوقع بعض المؤسسات الدولية استمرار تحسن معدلات النمو بوتيرة تدريجية.

لكن هذا النمو لا يعفي الاقتصاد من مخاطر هيكلية، مثل الاعتماد على الواردات، وضغوط العملة، وتحديات العجز التجاري، التي تظلّ من أهم التحديات طويلة الأجل التي تواجه تركيا.

تأثير أسعار الفائدة على الاستثمار والاقتراض
يمثّل سعر الفائدة أحد الأدوات الرئيسية التي يستخدمها البنك المركزي للتأثير على التضخّم والنشاط الاقتصادي.

وفي سياق السياسات الأخيرة، وبعد رفع توقعات التضخّم، تراوحت التوقعات حول مستوى الفائدة الذي قد يحدده المركزي في اجتماعاته القادمة؛ وهو ما قد يؤثر بشكل مباشر على قرارات الاستثمار والاقتراض في السوق التركي.

كما أكد محلّلون أن أجواء السيولة النقدية وارتفاع تكاليف القروض يؤثران على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تسعى لتوسيع أعمالها، ما قد يستلزم تدخلات حكومية خاصة في البنية التمويلية.

آفاق 2026 وما بعده

مع دخول عام 2026، يبدو أن تركيا تواجه مرحلة انتقالية في سياساتها الاقتصادية، تسعى خلالها لتحقيق توازن بين:
مكافحة التضخّم المستمر
دعم الإنتاج والنمو
الحفاظ على استقرار سوق الصرف
تعزيز ثقة المستثمرين
ويبقى التحدّي الأساسي هو كيفية تنفيذ إصلاحات هيكلية تُساعد على خفض معدّلات التضخّم دون إعاقة النمو الاقتصادي، مع الحفاظ على مستوى معيشي مقبول للسكان في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية.

مشاركة على: