خبر: الأسر المغربية تتجه إلى الجامعات الخاصة
عدد الطلاب في الجامعات المغربية الخاصة ارتفع بنحو ثلث خلال عامين — لكن الرقم الذي يهمّ الأسرة أكثر من كل هذا، وهو نسبة توظيف الخريجين، لا يصدر رسمياً. هذا ما يخلص إليه تقرير للجزيرة نت أعدّته سناء القويطي.
من أين تبدأ الحكاية: تُوِّجت المسيرة الأكاديمية للشاب المغربي أسامة لشكر بحصوله على دبلوم مهندس في الطيران وعلوم الفضاء من الجامعة الدولية بالرباط بعد خمس سنوات من الدراسة.
ونظراً لغياب تخصص مطابق يدمج بين علوم الطيران والفضاء في الجامعات الحكومية، لم يجد أمامه سوى الجامعة الخاصة. ويوضح للجزيرة نت أن الدراسة كانت باللغة الإنجليزية، ما يفتح أمام الطلاب آفاق العمل أو متابعة الدراسة في الخارج دون حاجز لغوي.
الكلفة وما يقابلها: تكلف الدراسة في هذا التخصص نحو 72 ألف درهم سنوياً (نحو 7700 دولار)، وقد تنقص في حال الحصول على منحة. وفي المقابل تتيح الجامعة فرصة دبلوم مزدوج وقضاء فصول دراسية في الخارج عبر شراكات مع مؤسسات جامعية دولية، إضافة إلى حصص تطبيقية في مختبرات حديثة وعلى أجهزة محاكاة الطيران.
الدافع الثاني — المقاعد لا التخصص: اختارت فاطمة العلاوي، وهي موظفة في إحدى الإدارات الحكومية، تسجيل ابنها في مدرسة عليا خاصة معترف بها بالرباط لدراسة هندسة المعلومات.
وتوضح أن «ارتفاع معدلات البكالوريا ومحدودية المقاعد في الكليات الحكومية» هما ما دفعاها إلى هذا الخيار رغم أعبائه المادية، وتقول: «إنه استثمار في مستقبل ابني».
كيف تغيّر القطاع: كان التعليم العالي الخاص مقتصراً في الثمانينيات والتسعينيات على مدارس ومعاهد متخصصة، ثم شكّل صدور القانون المنظّم للتعليم العالي الخاص عام 2010 الأساس الذي سمح للمرة الأولى بإنشاء جامعات خاصة معترف بها وأخرى شريكة للقطاع العام، تعادل شهاداتها تلك الممنوحة في الجامعات الحكومية.
وبعد أن كانت منحصرة في محور الرباط والدار البيضاء، أُنشئت في فاس ومراكش وأكادير وبرشيد وسطات وغيرها.
الأرقام: بلغ عدد المؤسسات وفق بيانات عام 2025 نحو 213 مؤسسة مقابل 196 عام 2023، وأغلب تخصصاتها في الهندسة والطب والإدارة والاقتصاد.
أما الطلاب المسجلون فارتفع عددهم من 66.8 ألفاً عام 2023 إلى 79.3 ألفاً عام 2024 ثم إلى نحو 91 ألف طالب عام 2025 — بزيادة 14.8 بالمئة عن العام الذي سبقه.
لماذا يتحوّلون؟ يرى رئيس فيدرالية التعليم الخاص كمال الديساوي أن التطور يعود في جزء منه إلى «أزمة الثقة» في قدرة بعض مسالك الجامعة الحكومية ذات الاستقطاب المفتوح على ضمان مسار مهني واضح لخريجيها. وتبلغ نسبة البطالة لدى خريجي كليات الآداب والقانون والاقتصاد نحو 19 بالمئة وفق البيانات الرسمية.
ويضيف أن الأسرة المغربية، وخصوصاً المنتمية إلى الطبقة الوسطى الصاعدة، لم تعد تنظر إلى التعليم العالي كحق مكتسب فحسب بل كاستثمار طويل الأمد تقيسه بمعيار العائد المهني المتوقع لا بقيمة الشهادة الرمزية.
قراءة مقابلة: يشير رئيس مؤسسة «أماكن لجودة التعليم» عبد الناصر الناجي إلى أن نمو التعليم الخاص يرجع إلى كونه يحقق ربحاً سريعاً ومضموناً للمستثمرين، خاصة مع ارتفاع نفقات الأسر على التعليم واستعدادها للتضحية والاستدانة أحياناً — ما يحوّل التعليم إلى «أصل مالي».
ويرى أن هذا الاستثمار العائلي لم يحقق بالضرورة الأمان المهني الذي تبحث عنه الطبقة المتوسطة، ولم يسهم في الحد من هجرة الطلبة المغاربة إلى الخارج، «بل أدى فقط إلى تأخير هذه الهجرة إلى ما بعد التخرج» خاصة للمتفوقين.
الرقم الغائب: لا توجد أرقام أو دراسة رسمية حديثة تكشف نسبة توظيف خريجي الجامعات الخاصة بعد التخرج. ويصف الديساوي غياب هذه البيانات بأنه «ثغرة إحصائية» يجب معالجتها لأهميتها في تقييم موضوعي لأداء القطاع.
وفي المقابل يعلن رؤساء جامعات خاصة أرقاماً خاصة بهم: أعلن رئيس الجامعة الدولية بالرباط أن 93 بالمئة من خريجيها يُوظَّفون في أقل من سنة، وأعلن رئيس الجامعة الخاصة بفاس أن نسبة الإدماج تقارب 87 بالمئة.
ويدعو الناجي إلى التعامل «بحذر» مع هذه النسب لأنها «تعكس قدرة القطاع على التسويق أكثر من كونها ضماناً مطلقاً للإدماج المهني».
ما تقوله الرقابة: رصد تقرير المجلس الأعلى للحسابات لعامي 2023-2024 اختلالات بنيوية، من بينها ضعف تغطية المراقبة الإدارية والتعليمية — إذ لم يتجاوز معدلها طيلة عقد كامل 3 بالمئة سنوياً.
ويحذّر الناجي من أن القانون المنظّم يمنح القطاع الخاص وضعية تفضيلية: ترخيص الجامعة الخاصة بمرسوم مقابل قانون للجامعة الحكومية، والسماح لأساتذة التعليم الحكومي بالتدريس في الخاص.
ما يُقترح: يقرّ الديساوي بأن آليات منع تحوّل الجامعات الخاصة إلى فضاء مغلق «محدودة مقارنة بحجم التحدي»، ويشير إلى مبادرات متفرقة — منح داخلية، تسهيلات في السداد للمتفوقين من أسر محدودة الدخل، قروض شرف عبر شراكات مع مؤسسات مالية.
لكنه يصفها بأنها «فردية غير مؤطرة بسياسة حكومية موحدة»، ويدعو إلى ربط الترخيص والاعتماد بحصص إلزامية من المنح الاجتماعية.
ما حدود هذا التقرير؟ نسبتا التوظيف (93 و87 بالمئة) معلنتان من الجامعتين نفسيهما لا من جهة مستقلة، ولا توجد بيانات رسمية تؤكدهما أو تنفيهما. وتقديرات الربح السريع والاستدانة قراءة خبير لا مسحاً ميدانياً.
ماذا يعني هذا للأسرة العربية والخليجية؟ ثلاث نقاط عملية تصلح خارج المغرب أيضاً.
الأولى أن السؤال الذي تسأله الأسرة عادة — «هل الشهادة معترف بها؟» — صار أسهل من السؤال الأهم: ما نسبة توظيف الخريجين، ومن أصدر هذا الرقم؟ فرقم تعلنه المؤسسة عن نفسها ليس كرقم يصدر عن جهة مستقلة، وهذا التمييز وحده يغيّر قرار تسجيل بعشرات الآلاف.
والثانية أن أقوى دافع للتسجيل في هذه التجربة لم يكن جودة التعليم الخاص بل ضيق المقاعد الحكومية — أي أن الخيار جاء اضطراراً لا تفضيلاً في كثير من الحالات. ومن يقرأ الأرقام على أنها إقبال طوعي كامل يخطئ في تقدير السوق.
والثالثة أن التخصص النادر — كالطيران وعلوم الفضاء هنا — يظل السبب الوجيه الوحيد الذي لا بديل عنه: حين لا يوجد المسار في الجامعة الحكومية أصلاً، تصبح الكلفة ثمناً لتخصص لا ثمناً لمقعد.
ويبقى ما يلفت النظر لمن يتابع الملف من الخليج أو من الجالية في أوروبا أن الظاهرة نفسها تتكرر بأسماء مختلفة: تابعنا قبل أسابيع كيف فتح مجلس التعليم العالي التركي تحقيقاً مع جامعات خاصة، وكيف شدّد الرقابة على رسوم الجامعات الوقفية. والقاسم المشترك واحد: توسّع القطاع الخاص أسرع من أدوات الرقابة عليه.