تراجع في صناعة الأجهزة المنزلية التركية
شهد قطاع الأجهزة الكهربائية المنزلية في تركيا تراجعًا ملحوظًا في مؤشرات الإنتاج والمبيعات خلال العام الماضي، وهو ما أثار مخاوف المصنّعين والخبراء حول مستقبل هذا القطاع الحيوي الذي يُعد من أضخم القطاعات الصناعية في البلاد، ومصدرًا مهمًا للعملة الصعبة عبر التصدير إلى الأسواق الدولية.
تراجع الإنتاج والمبيعات
وفق تصريحات جمعية مصنّعي الأجهزة البيضاء في تركيا (TURKBESD)، انخفض الإنتاج المحلي في 2025 بنسبة 9٪ مقارنة بعام 2024، بينما شهدت الصادرات تراجعًا بنسبة 10٪، كما انخفض الاستهلاك المحلي بنسبة 3٪، مما يعكس تباطؤًا واضحًا في نشاط القطاع بين الصناعات التركية الكبرى.
وتُعد تركيا من أكبر منتجي الأجهزة الكهربائية في العالم، فهي تحتل المرتبة الثانية عالميًا بعد الصين من حيث الحجم الكلي لإنتاج الأجهزة البيضاء مثل الثلاجات والغسالات والمكيفات، كما تملك نحو 7٪ من الحصة الإنتاجية العالمية في هذا المجال.
أبرز أسباب التراجع
أشار رئيس الجمعية، ألبر سينغول، إلى أن القطاع يعاني من ارتفاع تكاليف المدخلات الإنتاجية، وارتفاع أسعار الطاقة، وتكلفة التمويل العالية، إضافة إلى تباطؤ الطلب العالمي على المنتجات التركية مقارنة بمنافسيها في الأسواق الأوروبية والخارجية.
وقال سينغول إن تراجع تنافسية المنتجات التركية في الأسواق الدولية يأتي نتيجة زيادة تكاليف الإنتاج مقارنة بالمنتجين في دول أخرى تتمتع بتكاليف أضعف في مدخلات الإنتاج والطاقة، ما يجعل من الصعب منافسة الأسعار وتثبيت الحصص في الأسواق الخارجية.
المخاطر على العمالة والوظائف
هذا التباطؤ في الإنتاج لا ينعكس فقط على الأرقام الاقتصادية، بل يمتد أيضًا إلى سوق العمل في القطاع الصناعي التركي. ففي ظل انخفاض الإنتاج وتراجع الصادرات، يشير المحللون إلى أن مخاطر فقدان الوظائف أو تخفيض ساعات العمل قد تتزايد في المصانع التي تعتمد بشكل كبير على الأجهزة الكهربائية كمصدر رئيس للدخل.
وأكد سينغول أن الاحتفاظ بالطاقة الإنتاجية في المصانع أمر حاسم لمنع حدوث موجة أكبر من خسائر الوظائف، خاصة في المدن الصناعية الكبرى التي تعتمد على مصانع الأجهزة الكهربائية لتوفير فرص العمل لسكانها.
التحديات في التصدير
منذ بداية العام الماضي، واجهت صادرات الأجهزة البيضاء التركية تحديات متعددة في الأسواق الخارجية نتيجة الظروف الاقتصادية العالمية المتقلبة، بما في ذلك انخفاض الطلب في بعض الأسواق الرئيسية مثل أوروبا، وارتفاع تكاليف الشحن والنقل الدولي، إضافة إلى المنافسة من المنتجين في دول آسيا والشرق الأوسط.
ويقول مسؤولون في القطاع إن ضغوط المنافسة العالمية دفعت بعض الشركات إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها التصديرية، والتركيز أكثر على الأسواق التي تُظهر نموًا مستقرًا بدلاً من الأسواق التقليدية التي اندثرت فيها الحصة التركية على خلفية العوامل الاقتصادية العالمية.
الآثار الاقتصادية الواسعة
لا يقتصر تأثير هذا التراجع على قطاع الأجهزة البيضاء فقط، بل يتجاوزه إلى الاقتصاد الكلي في تركيا، حيث يلعب هذا القطاع دورًا مهمًا في ميزان التجارة الخارجية وكمصدر للعملة الصعبة، إلى جانب مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي للقطاع الصناعي.
في السنوات الماضية، كان قطاع صناعة الأجهزة البيضاء من القطاعات الديناميكية التي ساهمت في زيادة الصادرات التركية إلى الأسواق العالمية، وكان أحد العناصر التي ساعدت في تحقيق توازن نسبي في ميزان المدفوعات، خاصة خلال فترات الاضطرابات الاقتصادية. ومع ذلك، فإن التراجع الأخير يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا الدور، خاصة إذا استمرت الضغوط الاقتصادية العالمية دون استجابة فعّالة من السياسات الصناعية التركية.
ردود فعل وتصريحات المسؤولين
في مقابلات صحفية، دعا كبار مصنّعي القطاع الحكومة التركية إلى تقديم المزيد من الدعم لتصدير الأجهزة الكهربائية، بما في ذلك تسهيلات ائتمانية، ودعم تكاليف الطاقة، وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا الحديثة داخل المصانع.
وأشار بعض الخبراء إلى أن دعم الصادرات يمكن أن يساعد في تخفيف أثر انخفاض الطلب العالمي، وذلك من خلال فتح أسواق جديدة أو توسيع الشراكات التجارية مع دول نامية وأسواق صاعدة في آسيا وأفريقيا، حيث ما زال الطلب على الأجهزة الكهربائية في تزايد مستمر رغم التحديات.
الآفاق المستقبلية لقطاع الأجهزة البيضاء
على الرغم من التراجع الجاري، يرى بعض المحللين أن القطاع لديه فرص للنمو على المدى الطويل إذا تم التحول نحو الابتكار والتقنيات المتقدمة في خطوط الإنتاج، بما يشمل التحول إلى إنتاج الأجهزة الذكية الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، والتي تلقى طلبًا متزايدًا في أسواق العالم المتقدمة.
كما يؤكد المحللون أن تنويع الأسواق التصديرية والابتعاد عن الاعتماد الكبير على الأسواق الأوروبية فقط يمكن أن يوفر فرصة للشركات التركية لاستعادة حصتها في الأسواق العالمية، خصوصًا في الأسواق الناشئة التي تُظهر نموًا اقتصاديًا أكبر في السنوات القادمة.
وعلى صعيد السياسة الصناعية، يرى البعض أن تبني سياسات داعمة للبحث والتطوير في القطاع يمكن أن يعزز من قدرة المصانع التركية على إنتاج منتجات أكثر تكنولوجيا وتنافسية، مما يسهم في تحسين الصورة الصناعية التركية عالميًا في المستقبل.
صورة أوسع عن الاقتصاد التركي
هذا الخبر يأتي في إطار تحول أوسع في السياسة الاقتصادية التركية، التي شهدت خلال الأشهر الماضية قرارات بالبنك المركزي التركي بتخفيض أسعار الفائدة في محاولة للتعامل مع مستويات التضخم الصعبة، إذ خفّض البنك المركزي سعر الفائدة الرئيسي بنسبة 100 نقطة أساس إلى 37% مؤخرًا، وهو ما أثار نقاشات حادة بين الاقتصاديين حول تأثير ذلك على التضخم والاستثمار.
وتتناول هذه القرارات النقدية جزءًا من السياسة الاقتصادية العامة في تركيا، التي تهدف إلى دعم النمو رغم المخاوف المتعلقة بالتضخم المرتفع وسلوك الأسعار، مما يجعل القطاع الصناعي في قلب الاهتمام الاقتصادي لصانعي السياسة والمصنّعين.
سياق سياسي عام
من ناحية أخرى، يشهد المشهد السياسي التركي أيضًا تطورات تؤثر على المناخ الاقتصادي، مثل القضاء التركي الذي رفض دعوى أحد أبرز المنافسين السياسيين ضد إلغاء مؤهلات تعليمية تمنعه من الترشح للانتخابات، وهو ما يبيّن استمرار دور القضاء في القضايا السياسية المهمة في البلاد.
ويأتي هذا في وقت تستمر فيه تركيا في توسيع دورها الدولي، حيث سيشارك وزير الخارجية التركي في مبادرة دولية للسلام (‘Board of Peace’) بناءً على دعوة من الرئيس الأمريكي، في مؤشر على استمرار العلاقات الدولية والاستراتيجية المختلفة.