تركيا تُسرّع التحوّل للطاقة المتجددة في 2026
مقدمة — تركيا تدخل مرحلة جديدة في الطاقة النظيفة
مع دخول عام 2026، تُظهر تركيا تقدمًا ملحوظًا في توسيع مشاريع الطاقة المتجددة بمعدلات غير مسبوقة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن الطاقي، تخفيض الاعتماد على الوقود الأحفوري، وخفض الانبعاثات الكربونية ضمن أهداف طويلة الأمد ترتبط بالإستراتيجية الوطنية للطاقة.
وأفادت وزارة الطاقة والموارد الطبيعية التركية أن العام الحالي سيشهد إضافات كبيرة في قدرات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وسط استثمارات محلية وأجنبية معتبرة، فضلاً عن اتفاقيات ضخمة مع شركاء دوليين، لاسيما مع المملكة العربية السعودية التي أعلنت عن استثمار بقيمة ملياري دولار في مشروعات الطاقة المتجددة بتركيا.
السياق الوطني: إستراتيجية الطاقة المتجددة
تركيا وضعت منذ سنوات خطة طويلة الأمد لتوسيع الطاقة النظيفة، حيث تأتي الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على رأس مصادر الطاقة المتجددة التي تستهدف أن تشكل جزءًا أكبر من مزيج الطاقة الوطني. تهدف أنقرة إلى وصول القدرة المركّبة للطاقة الشمسية والرياح إلى نحو 120 000 ميغاواط بحلول 2035، وقد صرح وزير الطاقة التركي بأن العام 2026 سيشهد إضافة نحو 8 جيجاواط جديدة من هذه المصادر.
تُعد هذه الإستراتيجية جزءًا من سعي تركيا لـ تقليل الاعتماد على واردات الطاقة الأحفورية، التي تشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا، وكذلك للانخراط في التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
الاتفاقيات الدولية والاستثمار في الشمس والرياح
في أوائل فبراير 2026، وقّعت تركيا والمملكة العربية السعودية اتفاقية استثمار في مجال الطاقة المتجددة بقيمة تقترب من 2 مليار دولار، وذلك بهدف بناء محطات كبيرة للطاقة الشمسية والطاقة الريحية في عموم البلاد، وخصوصًا في محافظات سيفاس وقرمان في وسط الأناضول.
وأوضح وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي أن هذه الاستثمارات السعودية ستسهم في بناء محطات شمسية بقوة 2000 ميغاواط في المرحلة الأولى، ضمن مشروع أكبر يهدف إلى تطوير نحو 5000 ميغاواط من الطاقة المتجددة، تشمل كلًا من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وأكّد الوزير أن المشروع سيساهم في تغطية احتياجات الكهرباء لأكثر من 2.1 مليون أسرة تركية بمجرد تشغيل المرحلة الأولى من المحطات.
واستقطاب مثل هذا الاستثمار الأجنبي يُعد من أبرز إشارات الثقة في المناخ الاستثماري التركي وقطاع الطاقة بشكل خاص.
المشروعات الشمسيّة الكبرى في تركيا
تركز تركيا جهودها في مجال الطاقة المتجددة بشكل كبير على الطاقة الشمسية، نظرًا لتوافر موارد إشعاعية قوية في مناطق واسعة من البلاد، ما يجعلها موقعًا مناسبًا لإقامة محطات توليد كهرباء بالطاقة الشمسية على نطاق واسع.
ومن بين المشروعات المعلن عنها في 2026:
إنشاء محطات شمسية في سيفاس وقرمان بقدرة إجمالية تصل إلى 2000 ميغاواط في المرحلة الأولى.
استثمارات مباشرة من شركات سعودية في هذه المشروعات في إطار الشراكة الجديدة بين البلدين.
هذه المشروعات تندرج ضمن خطة شاملة لزيادة القدرة التوليدية للطاقة الشمسية، وتوفير كهرباء نظيفة بأسعار تنافسية، ما يعزز الأمن الطاقي ويوفر بدائل للوقود الأحفوري المكلف.
الرياح والطاقة المتجددة المتكاملة
ليس هناك تركيز فقط على الطاقة الشمسية؛ فتركيا تسعى كذلك إلى تطوير طاقة الرياح، وهي محطة مهمة في مزيج الطاقة النظيفة. وقد بلغت تركيا مستوى متقدمًا في قدرات الرياح خلال السنوات الماضية، مع خطط لتوسيعها بشكل مستمر في 2026 وما بعده.
وقد أشارت بيانات رسمية إلى أن البلاد تكثف أيضًا الاستثمار في طاقة الرياح البرية والبحرية، خاصة في المناطق ذات الرياح القوية في الأجزاء الغربية والشمالية من البلاد.
ويرتبط هذا التوسّع أيضًا باستثمارات أجنبية، من بينها مشاركات سعودية ممكنة في محطات طاقة الرياح المستقبلية بعد تنفيذ المرحلة الأولى من مشاريع الطاقة الشمسية، مما يعكس شمولية إستراتيجية الطاقة النظيفة التركية.
الطاقة المتجددة وتقدّم تركيا في الأرقام
وفقًا لبيانات رسمية نشرتها وزارة الطاقة ووكالات حكومية تركية، فإن إجمالي القدرات المركّبة من الطاقة الشمسية والرياح في نهاية عام 2025 قد وصلت إلى نحو 39 883 ميغاواط، أو حوالي ثلث الهدف المقرّر لعام 2035. وتمثل هذه المصادر نحو 32.6% من إجمالي قدرات الكهرباء المركّبة في البلاد، ما يعكس تحوّلًا ملموسًا عن الاعتماد التقليدي على الوقود.
وتشير الإحصاءات إلى أن القدرة المركّبة للطاقة الشمسية وحدها بلغت نحو 25 109 ميغاواط بحلول نهاية 2025، بينما بلغ إجمالي طاقة الرياح نحو 14 774 ميغاواط، وهو ما ترجم ارتفاعًا في مساهمة الطاقة المتجددة في شبكة الكهرباء الوطنية.
هذه الأرقام تُظهِر أن تركيا تجاوزت الصعوبات المتعلقة بالبنية التحتية القديمة، واستثمرت بقوة في التوسّع في مصادر الطاقة النظيفة، وهو ما جعلها من الدول ذات الحضور القوي في مجال الطاقة المتجددة على مستوى العالم.
العوامل الدافعة وراء التوسّع في 2026
1. التشريعات والتحفيزات الحكومية
اعتمدت تركيا سياسات دعم منشأة، تشمل حوافز ضريبية للشركات التي تستثمر في مشاريع الطاقة المتجددة، وتسهيلات في تصاريح البناء والتشغيل، بالإضافة إلى دعم البحوث والتطوير في تقنيات الطاقة الشمسية والرياح.
2. التعاون الدولي
اتفاقية الاستثمار مع السعودية وغيرها من الشراكات الدولية تُعد جزءًا من توجّه تركيا لتعزيز التعاون بين الدول بهدف تلبية الطلب العالمي المتزايد على الطاقة النظيفة.
3. الأمن الطاقي ومحاربة الاستيراد المكلف
يسعى صناع القرار في أنقرة إلى تقليل الاعتماد على واردات الطاقة الأحفورية، التي تُكبد الدولة نفقات ضخمة، وذلك من خلال زيادة الإنتاج المحلي من الكهرباء النظيفة.
الآثار الاقتصادية والبيئية
آثار اقتصادية
خلق فرص عمل جديدة في قطاع الطاقة النظيفة.
زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مشاريع الطاقة.
حماية الاقتصاد من تقلبات أسعار النفط والغاز عبر تنويع مصادر الطاقة.
آثار بيئية
خفض انبعاثات الكربون في قطاع الكهرباء.
تحسين جودة الهواء وتقليل التلوث البيئي.
مساهمة تركيا في أهداف المناخ العالمية.
التحديات المستقبلية
على الرغم من التقدّم الكبير، تواجه تركيا تحديات تتمثل في:
توسيع قدرة الشبكات الكهربائية لاستيعاب الطاقة المتجددة المتزايدة.
تمويل المشاريع الكبرى دون زيادة العبء المالي على الدولة.
تطوير تقنيات التخزين الذكي للطاقة لمواجهة عدم انتظام إنتاج الطاقة من الشمس والرياح.
خاتمة
بينما تتسارع وتيرة مشاريع الطاقة المتجددة في تركيا في 2026، تبدو أنقرة في مرحلة حاسمة من تحولها الطاقي. وقد أكدت الاتفاقيات الدولية، الاستثمارات الخارجية، والتوسع في القدرات الشمسية والريحية أن تركيا لا ترفع سقف طموحاتها فحسب، بل تعمل بشكل عملي نحو تحقيق أهدافها الطويلة المدى في تحقيق اقتصاد طاقي متوازن ومستدام.
إن هذا التحوّل لا ينعكس فقط على الأمن الطاقي والقدرة التنافسية للبلاد، بل يشكّل أيضًا نموذجًا يحتذى به في المنطقة والعالم في كيفية الدمج بين السياسات الحكومية والتعاون الدولي والطموحات البيئية.