حُبٌّ وُلِدَ خلف أسلاك معسكر النازية... وقصة عاشقَين فرّقتهما الحرب وجمعهما التلفزيون بعد ستين عاماً

حُبٌّ وُلِدَ خلف أسلاك معسكر النازية... وقصة عاشقَين فرّقتهما الحرب وجمعهما التلفزيون بعد ستين عاماً
حُبٌّ وُلِدَ خلف أسلاك معسكر النازية... وقصة عاشقَين فرّقتهما الحرب وجمعهما التلفزيون بعد ستين عاماً

خبر: حُبٌّ وُلِدَ خلف أسلاك معسكر النازية... وقصة عاشقَين فرّقتهما الحرب وجمعهما التلفزيون بعد ستين عاماً

في زاوية هادئة من حديقة «مارينسكي» الشهيرة وسط العاصمة الأوكرانية كييف، وإلى جوار ما يُعرف بـ«جسر العشّاق»، ينتصب تمثال برونزيّ لزوجَين مُسنَّين يحتضن أحدهما الآخر بقوّة، وكأنّ الزمن توقّف عند تلك اللحظة. هذا التمثال ليس مجرّد قطعة فنية تزيّن الحديقة، بل هو شاهدٌ على قصة حبّ حقيقية حفرتها صفحات التاريخ إلى جانب أخبار المعارك والانتصارات؛ قصة لويجي وموكرينا، الحبّ الذي وُلد في أحلك الأماكن وعاش رغم كلّ ما حاول أن يقتله.

تعيدنا حكاية هذا التمثال، الذي افتُتح عام 2013، إلى سنوات الحرب العالمية الثانية. ففي عام 1943، كان الجنديّ الإيطاليّ لويجي بيدوتو، البالغ من العمر آنذاك واحداً وعشرين عاماً، أسيراً لدى النازيّين في معسكر اعتقال «سانكت بولتن» في النمسا. لم يكن يدري حينها أنّ هذا المكان الذي يحوم فيه الموت والجوع والعنف سيمنحه حبّ حياته. ففي المعسكر نفسه كانت تُحتجز موكرينا يورجوك، الفتاة الأوكرانية ذات الثلاثة والعشرين ربيعاً، التي سيقت قسراً من بلادها وبصحبتها طفلة رضيعة.

في ذلك المكان الذي لا تنبت فيه عادةً سوى مشاعر الخوف، وجد الشابّان أحدهما الآخر، وصارا ملاذاً لبعضهما. والمدهش في الأمر أنّهما لم يكونا يتحدّثان لغة مشتركة؛ فالحبّ الذي جمعهما تجاوز الكلمات، وشقّ طريقه دون أن يطلب زماناً أو مكاناً أو لساناً واحداً. وسط هذا الكمّ الهائل من الموت، أصبح كلّ منهما سبباً للآخر كي يتشبّث بالحياة.

وحين وضعت الحرب أوزارها عام 1945، تنفّس العالم الصعداء، وأُطلق سراح المعتقلين ليعودوا إلى أهلهم وأوطانهم. لكنّ الأمور بالنسبة إلى لويجي وموكرينا ازدادت تعقيداً فجأة؛ فقد أراد الجنديّ الإيطاليّ أن يأخذ حبيبته معه إلى إيطاليا، غير أنّ الظروف السياسية القاسية في تلك المرحلة حالت دون ذلك. فالسلطات السوفيتية كانت ترفض رفضاً قاطعاً خروج موكرينا من البلاد، كما مُنع لويجي من دخول أوكرانيا. وهكذا فرّق سلامُ العالم بين عاشقَين جمعهما جحيم المعسكر.

مرّت السنوات تباعاً، وامتلأت كتب التاريخ بأحداث الحرب الباردة وسنوات «الستار الحديدي»، فيما رضي الحبيبان بحياتَين منفصلتَين. تزوّج كلّ منهما في بلده وأنجب أطفالاً، بل إنّ الزمن طال إلى حدّ أنّهما فقدا شريكَي حياتهما اللذَين ارتبطا بهما لاحقاً. ومع ذلك، ظلّ لويجي يحمل صورة موكرينا في قلبه لا تفارقه أبداً.

وحين أطلّ عام 2024، كان لويجي قد بلغ عقده الثامن، رجلاً طاعناً في السنّ قرّر أن يقضي ما تبقّى من عمره في البحث عن حبّه القديم. فلجأ إلى برنامج تلفزيونيّ شهير يُعنى بالبحث عن المفقودين في روسيا وأوكرانيا يحمل اسم «انتظرني». وبفضل البرنامج، عُثر على موكرينا التي كانت تعيش في قرية صغيرة بأوكرانيا. وفي أحد استوديوهات موسكو، شهدت كاميرات التلفزيون لقاء حبٍّ عمره ستون عاماً.

تأثّر فنّانون كثيرون بهذه الحكاية الأسطورية، فخلّدوا لحظة العناق الأولى بين الحبيبَين في استوديو البرنامج بعد كلّ تلك السنوات، إذ صبّوها في تمثال من البرونز افتُتح في السابع من أيّار/مايو عام 2013. غير أنّ القدر لم يُمهل لويجي طويلاً؛ فبعد أشهر قليلة من افتتاح التمثال، وفي آب/أغسطس من العام نفسه، رحل عن عالمنا، تاركاً وراءه قصةً تذكّر الجميع بأنّ الحبّ قد يصمد حيث تنهار الجيوش والحدود.

مشاركة على: