تركيا تطلق برنامج إصلاحي اقتصادي
في تطوّر مهم للمشهد الاقتصادي التركي، أعلنت رئاسة الاستراتيجية والميزانية التركية عن إطلاق برنامج إصلاح اقتصادي شامل للفترة 2026-2028، يستهدف دعم النمو والتنافسية والاستدامة في الاقتصاد، مع التركيز على خفض التضخم، وتحسين بيئة الاستثمار، وتطوير القوى البشرية في البلاد.
تأتي هذه الخطوة في ظل جهود متواصلة من الحكومة للتعامل مع التحديات الاقتصادية التي واجهتها تركيا خلال السنوات الماضية، بما في ذلك معدّلات التضخم المرتفعة، وتقلبات الأسواق العالمية، والحاجة إلى إعادة هيكلة بعض القطاعات الاقتصادية الحيوية لتعزيز قدرتها التنافسية.
أهداف برنامج الإصلاح الاقتصادي
البرنامج الجديد يتضمن سلسلة من السياسات والإجراءات الاستراتيجية التي تهدف إلى:
تعزيز النمو الاقتصادي من خلال دعم الإنتاج وزيادة كفاءة القطاعات الإنتاجية.
خفض التضخم على المدى المتوسط وتحقيق استقرار الأسعار.
تحسين بيئة الأعمال والاستثمار لجذب المزيد من رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية.
تطوير رأس المال البشري وتحسين مهارات القوى العاملة التركية.
زيادة القدرة التنافسية للصناعات المحلية في الأسواق العالمية.
دعم الابتكار والتقنيات الحديثة في مختلف القطاعات الاقتصادية.
وفقًا للبيان الرسمي، فإن البرنامج يرتكز على تعزيز قدرة الاقتصاد التركي على الاستجابة للتحديات الخارجية، مثل تقلبات أسعار السلع العالمية، والتحولات في سلاسل التوريد الدولية، إضافة إلى دعم القطاعات التي تظهر إمكانات نمو مستدامة.
وقد صرح وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك بأن هذا البرنامج يعكس التزام الحكومة بتحسين أداء الاقتصاد الكلي على المدى الطويل، مشيرًا إلى أن التركيز سيكون على إصلاحات هيكلية تهدف إلى جعل تركيا أكثر قدرة على المنافسة في الأسواق الدولية.
تحسن التضخم وتوقعات الأسعار
واحدة من المؤشرات الاقتصادية الرئيسية التي ركّز عليها برنامج الإصلاح هي معدّلات التضخم. وفق بيانات معهد الإحصاء التركي، انخفض التضخم السنوي إلى حوالي 30.89٪ في نهاية عام 2025، وهو مستوى أقل مقارنة باعوام سابقة، رغم أنه لا يزال أعلى من النسب المستهدفة من قبل السلطات التركية.
هذا الانخفاض جاء كنتيجة جزئية لعدد من الإجراءات الاقتصادية التي اتبعتها السلطات، لعل أهمها سياسات النقد الحذرة والتنسيق مع السياسات المالية بهدف تخفيف الضغوط السعرية تدريجيًا، خصوصًا في السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة.
وقد أشار شيمشك إلى أن توقعات التضخم للمنازل والقطاع الحقيقي انخفضت بشكل ملحوظ، مما يعكس تحسنًا في معنويات السوق وثقة المستهلكين في قدرة الاقتصاد على الانخفاض التدريجي في مستويات التضخم.
سياسات دعم الاستثمار وبيئة الأعمال
جانب مهم من برنامج الإصلاح يرتبط بتطوير بيئة الأعمال والاستثمار في تركيا. وقد أعلنت الحكومة أنها ستعمل على:
تبسيط الإجراءات البيروقراطية المتعلقة بتأسيس الشركات.
تحسين البنية التحتية القانونية والمالية لجذب الاستثمارات الأجنبية.
تقديم حوافز ضريبية ومالية للمشروعات الاستثمارية في القطاعات التكنولوجية والصناعية المتقدمة.
دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة في إطار برامج تمويل وتدريب خاصة.
هذه الإجراءات تأتي استجابة لمطالب رجال الأعمال والمستثمرين الذين كانوا يطالبون بتحسين بيئة العمل لتسهيل تأسيس وتنفيذ المشاريع، وتقليل التكاليف المرتبطة بالضرائب والرسوم والإجراءات الإدارية.
كما تسعى الحكومة إلى تحسين منظومة التمويل للمشروعات المحلية، وذلك من خلال تشجيع البنوك على تقديم منتجات تمويلية ميسّرة للشركات التي تستثمر في قطاعات الابتكار والتقنية الحديثة.
القدرات البشرية وأهميتها
لا يقتصر برنامج الإصلاح على الجوانب المالية والقانونية فقط، بل يتضمن أيضًا مكونات تعليمية وتنموية تهدف إلى تطوير القدرات البشرية في تركيا. ويتضمن ذلك:
برامج تدريب مهني واسعة تستهدف العاملين في مختلف القطاعات.
تطوير مناهج التعليم التقني والمهارات الرقمية.
تشجيع البحث العلمي والابتكار في الجامعات ومراكز البحوث.
شراكات مع شركات دولية لتطوير مهارات القوى العاملة التركية.
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن تطوير المهارات البشرية يساهم في دعم الإنتاجية وتعزيز فرص العمل في القطاعات الحديثة والمنافسة، مما يعزّز المناخ الاقتصادي العام ويزيد من فرص تركيا في جذب الاستثمارات الأجنبية في مجالات جديدة.
تفاعل الأسواق وردود الفعل
أبدت الأسواق المالية المحلية والدولية ردود فعل إيجابية إلى حد ما على إعلان برنامج الإصلاح، حيث ارتفعت توقعات المستثمرين تجاه الأصول التركية، وجرى تداول بعض السندات المحلية على أساس أن السياسات الإصلاحية ستقلل المخاطر على المدى الطويل.
وقد أشارت بعض التقارير الاقتصادية إلى أن برنامج الإصلاح يمكن أن يعزز ثقة المستثمرين الأجانب في السوق التركية، لأن تعزيز القدرات الإنتاجية والاستقرار المالي يقلل من المخاطر المرتبطة بالاستثمار في الاقتصاد التركي، خاصة في القطاعات الجديدة والابتكارية.
التحديات القائمة
رغم التحسن في بعض المؤشرات، لا تزال تركيا تواجه مجموعة من التحديات الاقتصادية، أبرزها:
ارتفاع مستويات التضخم مقارنة بالعديد من الاقتصادات الناشئة.
تقلب أسعار الطاقة والتي تؤثر على تكاليف الإنتاج.
تقلّبات سعر صرف الليرة التركية وما يرتبط بها من قلق لدى المستثمرين.
ضغط على القوة الشرائية للمستهلكين بسبب ارتفاع الأسعار في بعض السلع والخدمات.
ويقول بعض خبراء الاقتصاد إن النجاح الكامل لبرنامج الإصلاح يعتمد بشكل كبير على تنفيذ السياسات بطريقة متسقة ومستدامة، مع مراقبة مستمرة للمؤشرات الاقتصادية والمرونة في التعديل عند الضرورة.
السياق الإقليمي وتأثيره على الاقتصاد
في الوقت ذاته، تشهد منطقة الشرق الأوسط العديد من التطورات الإقليمية التي يمكن أن تؤثر على السياسات الاقتصادية التركية، خاصة في ما يتعلق بالأمن والحدود. فقد أعلنت تركيا أنها تعمل على وضع خطط احتياطية للتعامل مع أي تدفق محتمل للاجئين في حال تفاقم الأوضاع في دول الجوار، كما أبدت موقفًا حذرًا من أي تدخلات خارجية في شؤون بعض الدول المجاورة، مشددة على ضرورة احترام السيادة وعدم زعزعة الاستقرار في المنطقة.
وتؤكّد أنقرة أن أي تغيّرات كبيرة على الحدود أو في السياسات الأمنية في الدول المجاورة يمكن أن يكون لها تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد التركي، خاصة من خلال زيادة الأعباء على الخدمات العامة والتكاليف المالية المرتبطة بإدارة تلك التحديات.
تحليل اقتصادي شامل
في التحليل الأوسع، يرى الاقتصاديون أن برنامج الإصلاح يمثل مرحلة انتقالية مهمة في سياسة تركيا الاقتصادية، حيث يسعى إلى تحقيق توازن بين تعزيز النمو، مواجهة التضخم، وتحسين بيئة الأعمال. ويعتبر هذا البرنامج خطوة جوهرية نحو:
رفع تنافسية الاقتصاد التركي دوليًا.
تحسين الظروف المعيشة للمواطنين على المدى الطويل.
جعل الاقتصاد أكثر مرونة أمام الصدمات الخارجية.
ويضيف بعض المحلّلين أن الرسائل التي يبعثها برنامج الإصلاح تنتقل إلى المستثمرين بأن تركيا تسعى نحو نظام اقتصادي أكثر استقرارًا وتوازنًا، ما يمكن أن يكون جاذبًا للاستثمارات المباشرة وغير المباشرة في السنوات القادمة