أردوغان: تركيا ستصبح أحد أقطاب النظام العالمي الجديد
في كلمة رسمية ألقاها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أمام “المؤتمر العام الاستثنائي السابع لاتحاد رجال الأعمال الرياديين في تركيا” بالعاصمة أنقرة، أكد أن تركيا تسير على طريقٍ جديد يجعلها أحد الأقطاب الأساسية في النظام العالمي الذي يعاد تشكيله، في تصريحات أثارت اهتمامًا واسعًا داخل الساحة السياسية التركية وعلى المستوى الدولي.
أردوغان: تركيا على مفترق تاريخي
قال الرئيس التركي إن بلاده دخلت “مرحلة مختلفة” في مسيرتها التاريخية، وأوضح أن الخبرات والاستثمارات والجهود الاقتصادية والسياسية التي بذلتها تركيا خلال السنوات الماضية ستؤتي ثمارها الآن، في ظل تغيّر موازين القوى الدولية.
وأضاف أردوغان خلال كلمته أنه، كما كان موقف تركيا في الأزمة السورية جزءًا من تاريخها، فإن دور تركيا في إعادة رسم معالم النظام العالمي الجديد سيقوم على الوقوف في “الجانب الصحيح من التاريخ والضمير”.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية تحولات واضحة، في ظل أزمات متعددة في الشرق الأوسط والصراع المستمر بين القوى الدولية على النفوذ العالمي، ما يجعل التصريحات التركية محور نقاشٍ واسع في الأوساط السياسية والبحثية.
الصناعات الدفاعية التركية: رمز القوة
أشار أردوغان إلى أن تركيا لم تعد دولة مستهلكة فحسب، بل باتت تصنع وتطور وتقود التكنولوجيا الدفاعية الخاصة بها، وهو عامل رئيسي في تعزيز مكانتها على الصعيد الدولي.
وأوضح أن المنتجات التركية مثل الطائرات المسيرة، والمروحيات، والمنصات البحرية الدفاعية، والطائرات العسكرية، أصبحت تُخرج إلى الأسواق العالمية، وتلقى إقبالًا كبيرًا من الدول الصديقة والشريكة، مما يعكس ثقةً متنامية في قدرات الصناعة الدفاعية التركية.
وأضاف أن تركيا تنتج وتصمم وتطوّر تقنياتها الخاصة وتصدرها إلى العالم، وأن هذه القطاعات تُعد جزءًا مهمًا في التحوّل الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
الاقتصاد كركيزة للاستقلالية الدولية
وفي جانب آخر من حديثه، ذكر أردوغان أن الاقتصاد التركي يشهد مؤشرات قوية في عدة مجالات، مثل الصادرات والابتكار التكنولوجي، وأن هذا يعزز قوة البلاد التفاوضية في المحافل الدولية.
وقال إن تركيا تشهد ارتفاعًا في معدلات النمو والتصدير، مما يساهم في رفع ثقة المستثمرين الأجانب فيها، ويشكل أساسًا قويًا لتوسيع الدور التركي في القضايا العالمية.
كما أنكرت تصريحات أردوغان صورة تركيا التقليدية كدولة محورية فقط في محيطها الإقليمي، مؤكّدة أن تركيا أصبحت لاعبًا مؤثرًا على مستوى العالم، لا يمكن تجاهله في الملفات الكبرى التي تشكل النظام الدولي الجديد.
السياسة الخارجية التركية وتوازن القوى
تعكس تصريحات أردوغان جزءًا من رؤية تركية أكثر طموحًا في السياسة الخارجية تتجاوز القضايا المحلية والإقليمية إلى محاور دولية أشمل وأبعد، وتشمل تنسيق السياسات مع شركاء عالميين، وتوسيع العلاقات الثنائية مع دول مهمة في الشرق الأوسط، أفريقيا، أوروبا، وآسيا.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تأتي في سياق مشهد دولي معقد يشهد تحولات في موازين القوى، وتنافسًا واضحًا بين الولايات المتحدة، الصين، والاتحاد الأوروبي، مع محاولات من القوى المتوسطة مثل تركيا لتأكيد دورها بما يتناسب مع مصالحها الوطنية.
كما أن السباق على التكنولوجيا الدفاعية والذكاء الاصطناعي والتقنيات المستقبلية يشكل عاملًا إضافيًا في تعزيز مكانة تركيا على الساحة الدولية، مما يعطي وزناً أكبر لتصريحات أردوغان حول دور بلاده كقطب جديد في النظام الدولي.
ردود الفعل المحلية والدولية
شهدت تصريحات أردوغان ردود فعل متفاوتة بين الساسة والمحللين:
في الداخل التركي: رأى البعض أن هذه التصريحات تمثل دعمًا للثقة الوطنية والتأكيد على إنجازات البلاد في القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية، بينما انتقد آخرون ما وصفوه بأنه خطاب سياسي يفتقر إلى تفاصيل في الخطط العملية لتحقيق هذا الدور المتقدم في النظام العالمي.
على المستوى الدولي: أثارت التصريحات اهتمامًا واسعًا في التحليلات الدولية، خاصةً مع تزايد الحديث حول إعادة ترتيب النظام الدولي بعد التوترات في الحرب الروسية-الأوكرانية، والأزمات في الشرق الأوسط، والتحول في أولويات القوى الكبرى.
ويرى بعض المراقبين أن السياسات التركية في السنوات الأخيرة—مثل التنمية الاقتصادية المتسارعة، وتحديث القوة العسكرية، والتوسع الدبلوماسي—تضع تركيا في موقع يمكنها من لعب دور مؤثر في النظام العالمي الجديد.
السياسات الدفاعية والتوسع العسكري
أردف الرئيس التركي أن صناعة الدفاع تمثل جزءًا أساسيًا من استراتيجية تركيا في تأكيد مكانتها كقوة عالمية صاعدة، لافتًا إلى أن المنتجات التركية في المسيرات والطائرات العسكرية تُستخدم في أكثر من دولة حول العالم، ما يعكس ثقة عالمية في التكنولوجيا التركية وتنافسها في الأسواق الدولية.
وأضاف أردوغان أن الأمن القومي لا يتوقف على القوة العسكرية التقليدية فقط، بل يمتد إلى القدرات الدفاعية المتقدمة، والقدرة على التصنيع المحلي، والمحافظة على استقلالية القرار، وهو ما يجعل تركيا أقرب إلى تحقيق رؤيتها في أن تكون قطبًا عالميًا.
التحولات في النظام الدولي الجديد
تصريحات أردوغان تتزامن مع تغيرات في النظام الدولي بعد نهاية حقبة تقليدية تهيمن عليها قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وتبني قوى أخرى حضوراً أكبر في السياسات العالمية، بما في ذلك تركيا والصين والهند ودول أخرى تبحث عن دور أكثر فاعلية في العلاقات الدولية.
وهذه التحولات تأتي في سياق تحديات مشتركة مثل التغير المناخي، الأمن الغذائي، النزاعات الإقليمية، التنافس التكنولوجي، والاقتصاد العالمي، مما يدفع الدول إلى إعادة تقييم أولوياتها الاستراتيجية.
ويرى البعض أن تصريحات أردوغان حول دور تركيا في النظام الدولي الجديد ليست مجرد شعارات سياسية، بل تعكس رؤية استراتيجية طويلة الأمد نحو تأكيد النفوذ التركي في الملفات الدولية الكبرى.
خاتمة
بينما تتسارع التحولات الدولية وتتعاظم التحديات العالمية، تبدو تركيا أكثر من مجرد لاعب إقليمي. فالرؤية التركية التي صاغها أردوغان ترتكز على القدرة الاقتصادية، القوة الدفاعية، والتأثير الدبلوماسي، ما يعزز فكرة أن تركيا في طريقها لأن تصبح قطبًا فعالاً في النظام العالمي الجديد.